تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ها هنا يقدم «هسرل» طرحا وجيها بارعا: فلنتجنب التورط في مشكلات لا حل لها عن الوجود المستقل لموضوعات الوعي، فمن المتيقن ومما لا يقبل الشك أنها موجودة بالنسبة لنا بوصفها «موضوعات للوعي» بغض النظر عن أي وضع وجودي آخر قد تحوزه أو لا تحوزه، فلندرس إذن هذه الموضوعات على أنها موضوعات وعي ونحن على يقين مطلق بوجودها بهذه الصفة، ودون أن نضع عنها أي فروض أخرى، فهي، كموضوعات وعي، قابلة مباشرة للبحث والدراسة بقدر ما يمكن لأي شيء آخر أن يقبل البحث والدراسة، فلننصرف إذن عن الأسئلة التي لا سبيل إلى حلها، ولنضرب عنها صفحا ونضعها جانبا (بين أقواس إن شئت)، ونعول على ما نحن مؤهلون جيدا لبحثه.

8

كانت فينومينولوجيا هسرل «منهجا» قبل أن تصبح مذهبا صريحا، بدأ هسرل بنقد الرياضيات قاصدا من ذلك أن يكتشف أولا طريقة تجعل في إمكاننا اكتساب حقائق أساسية وإثباتها بالبرهان، ومن ثم جعل قاعدته الجوهرية من البداية هي أن يتوجه «إلى الأشياء ذاتها»، لكي يتلقى منها ما يعرفنا بها، وبالتالي أن يستبعد أساسا كل حكم سابق وكل نظرية سبق تصورها عن الواقع، هناك إذن مبدآن تتضمنهما نقطة البداية هذه: مبدأ سلبي، وهو يتألف من رفض كل ما ليس ثابتا بالبرهان ، أي مبرهنا عليه بحيث يبدو من المحال تصور نقيضه، ومبدأ إيجابي يتألف من الرجوع إلى الحدس المباشر في إدراك الأشياء، من حيث إن هذا الحدس، وهذا الحدس وحده، هو الذي يمكن أن يكون المنبع الأول لكل يقين، «التوقف» و«الحدس»: هذان هما المبدآن الرئيسيان في المنهج الفينومينولوجي.

ومع ذلك، ينبغي ألا تضلنا لفظة «الأشياء» وتوقعنا في الخطأ، فبفضل التوقف (أو وضع كل ما ليس له مبرر جلي بذاته، وفقا لهسرل، بين قوسين) تكون الأشياء الوحيدة المعطاة لنا حقيقة هي «الظواهر»

Phenomena ، وليس الوجود (أو الشيء في ذاته) بالأمر البين بذاته على الإطلاق، وهكذا يتكون مجال الحدس الفينومينولوجي من كافة الظواهر المعطاة للشعور، أي من كل ما يظهر على نحو ما وعلى أي أساس كان، وبالتالي مع استبعاد كل المجال غير البين للوجود في ذاته الذي لا يظهر، ولا يقبل الظهور. وتنحصر مهمة الفينومينولوجيا في الكشف عن عالم الظواهر كله، ووصفه وصفا محكما، ومحاولة إدراك العلاقات التي تربط بين هذه الظواهر في الوقت نفسه، مما يعني بوضوح تجاوز الوصف الخالص إلى تفسير الظواهر، أو تحديد معناها، يقول هسرل في كتابه «التأملات الديكارتية»: «إن التفسير الفينومينولوجي يوضح ما هو متضمن في معنى «المدرك بالفكر»

Cogitatum

دون أن يكون معطى عن طريق الحدس بأن يتمثل للإدراكات الحسية التي هي «بالقوة»

Potential

والتي تجعل غير الظاهر ظاهرا»، ومن وجهة النظر هذه فإن كل نمط من أنماط الظواهر يتيح اصطناع مناهج خاصة للبحث والوصف والتأويل.

بوسعنا إذن أن نقول إن الفينومينولوجيا بوصفها منهجا تبدو لأول وهلة أنها ضرب من «الوضعية»

Positivism

ولكن هذا لا يعني بحال أنها تستبعد الفلسفة أو الميتافيزيقا، فالحق أن الاتجاه الفينومينولوجي لم يتوان عن أن يصبح اتجاها ميتافيزيقيا حقيقيا، ومن جهة أخرى فإن المنهج في حد ذاته يتضمن «مذهبا»! وتأويل ذلك أنه لما كانت «الإبوخيه» عبارة عن وضع مجال الوجود كله بين قوسين، وكانت لا تترك أمام العقل سوى الظاهرة الخالصة، فإن فينومينولوجية هسرل تتضمن نوعا من المثالية، وتحيل الكون إلى أفكار، وإلى المضمون الباطني للوعي، ولا تعترف بنمط من المعرفة اليقينية سوى «مشاهدة الماهيات» أو «معاينة الماهيات»، والحق أن هسرل يتجه أكثر فأكثر نحو مثالية متطرفة.

ولو نحن أردنا بحسب رأيه أن نصل حقا إلى ما هو بين بذاته من حيث درجة اليقين، فإننا لا بد أن نطبق منهج الإبوخيه لا على وقائع «العالم» فحسب بل على «الأنا» الطبيعية وأفعالها أيضا، أو بعبارة أخرى فإن «الكوجيتو» الديكارتي يقف دون وجه حق عند «أنا جوهرية»

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٥٨