Ego-Cogito-Cogitatum ، هذه هي العناصر الثلاثة المتصلة منطقيا ل: الأنا الخالصة (الأنا التي تفكر)، والفعل الذهني (الفكر)، والمحتوى (موضوع الفكر).
يقدم لنا هذا التصور فينومينولوجيا ترنسندنتالية كاملة، موضوعاتها النهائية هي مجموعة هائلة من أصناف المعنى أو الدلالة (نوئيما
Noema )، ترتبط بأفعال الفهم (نوئزيس
Noeasis ) الخاصة بالأنا الترنسندنتالية، والأنا الترنسندنتالية هي المطلق الوحيد؛ لأنها تبقى بعد كل تقويس
Bracketing ، إنها مفترضة سلفا في كل فعل للوعي أو الخبرة أيا كان هذا الفعل، حتى فعل التقويس نفسه، والأنا الترانسندنتالية هي الشرط المسبق لكل معنى، إنها الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يطرحه الفكر لأنها مفترضة سلفا في كل تفكير.
وقد نزع «هسرل» في المراحل المتأخرة من فلسفته إلى إسداء دور نشط للأنا الترانسندتالية، وخلص إلى أن الأنا الترنسندنتالية، وليس الأنا الفردية، تشكل أو تشيد بطريقة نشطة معنى موضوعات الوعي، الأنا الخالصة تمنح الموضوعات معناها الذي يجعلها موضوعات للوعي، ولكن هذا بحد ذاته لا يفضي إلى المثالية (المذهب القائل بأن الواقع معتمد على الوعي)، فلعل الأنا الترانسندنتالية لا تفعل أكثر من أن تدرج عالما مستقلا وجوديا في مقولات مفهومة أو تصورات معقولة وبذلك تجعله موضوعا للوعي.
غير أنه إذا كان الواقع الوحيد الذي يمكن أن يعترف به لموضوع ما هو تلك الدلالة التي تسبغها عليه، بشكل نشط، تلك الأنا الترانسندنتالية، وهذه «مثالية»
Idealism ، وإذا كان أي عالم بدون دلالة للوعي هو عالم غير ممكن وجوديا، وكانت كل دلالة هي نتاج الأنا الترنسندنتالية، لترتب على ذلك أن العالم معتمد وجوديا على الأنا الترنسندنتالية، ويوحي ذلك أيضا بأن الأنا الترنسندنتالية هي «المطلق» الوحيد، ما دام كل شيء معتمدا وجوديا عليها وهي غير معتمدة وجوديا على أي شيء آخر.
تومئ نظرة «هسرل» إلى شكل من أشكال المثالية الذاتية (الواقع معتمد وجوديا على الذات) حيث الوجود كله مرتهن للمعنى الذي تسبغه الذات الترنسندنتالية (أو الذات بما هي كذلك) على الأشياء، ولكن يظل بالإمكان أيضا الرد بأن مثل هذه الدلالات أو الماهيات هي موضوعية من حيث إنها مستقلة عن وجود أي وعي بعينه وإنها عامة مشتركة تشمل كل وعي بما هو وعي، وقد مالت آراء هسرل المتأخرة تجاه المثالية؛ لأنه ذهب إلى أن الحديث عن الوجود الحقيقي للعالم بمعزل عن مقولات الدلالة التي تعتمد على الوعي الخالص هو حديث ممتنع ولا معنى له، ولكن مرة أخرى يظل بالإمكان القول بأن العالم قد يستمر في الوجود بمعزل عن الوعي المحض، إذا صح ذلك، فمن الممكن عندئذ الرد بأن العالم الذي يتسم بذلك سيكون بلا معنى بنفس الطريقة التي ستكون بها جملة مكتوبة هي غير ذات دلالة إذا لم يكن ثمة عقول لتعي معناها، إنه ليكون عالما غير قابل للتصور فعلا.
ينتقل «هسرل» إذن من فكرة أنه لا يمكن أن «يتصور» أي شيء إلا كموضوع للوعي إلى فكرة أنه لا يمكن أن «يوجد» أي شيء إلا كموضوع للوعي، وكان جوابه على النزعة الشكية حول الطبيعة ووجود العالم الخارجي هو أن يقول بأن العالم الذي يبدو ذا معنى هو فقط العالم الحقيقي، وأن افتراض عالم غير ذلك يمكن أن يوجد أو لا يوجد هو لغو أو هراء. (9) مجمل لإدموند هسرل
اتفق هسرل مع «ديكارت» في أن هناك شيئا واحدا لا يرقى إليه الشك بالنسبة لكل واحد منا، ذلك الشيء هو وعينا الخاص، ومن ثم فإذا شئنا أن نشيد تصورنا للواقع على أسس وطيدة، فهذه هي الصخرة التي نبدأ منها ونقيم عليها الصرح، غير أنه يتفق أيضا مع هيوم في أنني إذ أنظر إلى مائدة مثلا فإن وعيي يكون وعيا بالمائدة وليس وعيا بنفسي حائزا على خبرة النظر إلى المائدة، يأخذ الوعي دائما، في الظروف العادية، هذه الصيغة: أنا على وعي مباشر بالأشياء لا على وعي بنفسي كموضوع، ولكن كل محاولة لإثبات أن هذه الموضوعات توجد بمعزل عن وعيي ودرايتي هي محاولة مصيرها الفشل، وقد تبين دائما استحالة إثبات وجود العالم الخارجي نفسه.