تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يرفض «دلتاي» ابتداء أية نظرة ميتافيزيقية في وصف ما يحدث عندما نقوم بفهم ظاهرة من صنع الإنسان، فالمشكلة عنده هي: أي صنف من الفهم ذلك الذي يلائم تفسير الظواهر الإنسانية، المشكلة عنده، باختصار، مشكلة إبستمولوجية وليست مشكلة ميتافيزيقية.

كان «دلتاي» بمعنى ما امتدادا للمثالية النقدية عند كانت، وإن لم يكن من الكانتيين الجدد بل من فلاسفة الحياة، لقد كتب كانت «نقد العقل الخالص» الذي قدم الأسس الإبستمولوجية للعلوم، بينما شرع دلتاي عن قصد في كتابة «نقد العقل التاريخي» لكي يضع الأسس الإبستمولوجية للدراسات الإنسانية. لم يناقش دلتاي المقولات الكانتية ولم يشكك في كفايتها بالنسبة للعلوم الطبيعية، غير أنه رأى الأطر الكانتية، مثل المكان والزمان والعدد ... إلخ، لا تكفي لفهم الحياة الباطنة للإنسان، كذلك لم يجد مقولة «الشعور» وافية لفهم الطابع التاريخي الداخلي للذات الإنسانية، يقول دلتاي: «إنها مسألة تطوير الاتجاه الكانتي النقدي كله، ولكن في مقولة «التأويل الذاتي» بدلا من نظرية المعرفة ... إنه نقد للعقل التاريخي بدلا من العقل الخالص.»

يقول دلتاي: «ليس من خلال «الاستبطان»

Introspection ، بل من خلال التاريخ وحده يتأتى لنا أن نفهم أنفسنا.» إن مشكلة فهم الإنسان هي مشكلة استعادة ذلك الوعي ب «تاريخية» وجودنا الخاص والذي ضاع في المقولات السكونية للعلم، إننا نخبر الحياة لا في المقولات الآلية السببية بل في لحظات فردة معقدة من «المعنى»، من خبرة مباشرة بالحياة في كليتها وفي فهم محب للأشياء الجزئية، هذه الوحدات من المعنى تتطلب سياقا يضم الماضي ويضم أفق التوقعات المستقبلية، إنها زمانية في صميمها ومتناهية، ولا يتم فهمها إلا في ضوء هذه الأبعاد، أي لا يتم فهمها إلا تاريخيا.

وقد ينبغي أن نأخذ اهتمام «دلتاي» بصياغة نظرية في العلوم الإنسانية في سياق «فلسفة الحياة» الخاصة به، ارتبطت فلسفة الحياة بصفة خاصة بثلاثة من فلاسفة أواخر القرن التاسع عشر هم نيتشه و«دلتاي» و«برجسون»، ويمكن تعقب هذا الاتجاه العام في الفلسفة إلى القرن الثامن عشر حيث علت بعض الاحتجاجات ضد النزعة الصورية والعقلية المحضة وضد أي فكر مجرد يغفل الفرد ككل ويعمى عن الشخصية الحية الشاعرة المريدة، بذلك يعد روسو وجاكوبي وهردر وفخته وشيلنج وغيرهم من مفكري القرن الثامن عشر مرهصين بفلسفة الحياة في محاولاتهم إدراك الوجود الإنساني في العالم من حيث هو امتلاء خبروي، في مثل هؤلاء المفكرين يمكننا أن نلمس جهد فيلسوف الحياة من أجل الوصول إلى واقع غير مزيف بالعوارض الخارجية وبالثقافة. كانت كلمة «الحياة» حتى في ذلك الحين هي صرخة احتجاج ضد ثبوت التراث الفكري وتحديداته، تشير كلمة «الحياة» إلى قوى الإنسان الداخلية مجتمعة ملتئمة كمقابل للقوة السائدة للفهم العقلي، واعتبر فريدريك شليجل فلسفة الحياة هي الحضور الحي للوعي الإنساني والعيش الإنساني في مقابل التأملات المجردة وغير المفهومة ل «الفلسفة المدرسية»، أما فخته فقد اعتبر أساس كل فلسفته هو التناقض بين ثبوتية الكينونة والتدفق العارم للحياة.

وبوسعنا أن نجد قائمة المفكرين ذوي التوجه الشبيه بفلسفة الحياة لتشمل شخصيات مثل وليم جيمس وماركس وديوي وشيلر وأورتيجا جاسيت، في جميع هؤلاء ثمة ميل عام إلى العودة إلى امتلاء الخبرة المعاشة، وهو ميل يعبر في معظمه عن رفض للتجريد والآلية والصورية التي تسم الحضارة التكنولوجية، لقد برزت لدى هؤلاء قوى «العقل» و«الوجود» لتتحدى قوى التصلب والموات، وكانت قوى الحياة

Leben

هي المعين الذي لا ينضب لجميع صور الإبداع والمعنى.

أما عند دلتاي فقد أفصح هذا الاتجاه المضاد عن نفسه في صورة رفض لأشكال الفكر ذي التوجه السببي

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٣١