تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنه المخلوق الخالق، الذي يوجد خارج واقعه وخارج ماهيته.

إنه الكائن الذي يدخل «الوعي» في نسيج العالم.

ويجلب «القيمة» إلى باحة الخليقة.

ويسبغ المعنى على صمت الكون.

ويفرز «عدما» من حوله (على قول سارتر) في قلب الوجود الشيئي المكتمل.

إنه الدودة في التفاحة:

أرق في سبات الضرورة.

صدع بين «الأشياء».

مملكة داخل المملكة

Imperium in Imperio (على قول سبينوزا).

ولا حيلة للعلم في التنبؤ بمآله.

وليس يجدي بإزائه إلا «الفهم» لا «التفسير» ... «التأويل» لا «التنبؤ».

بعد وفاة «شلايرماخر» عام 1834م تراجع مشروع الهرمنيوطيقا العامة، وحدثت ردة في الفكر التأويلي وعودة إلى حدود الأفرع التخصصية لتصبح الهرمنيوطيقا مرة أخرى تأويلا فيلولوجيا أو قانونيا أو تاريخيا بدلا من أن تكون هرمنيوطيقا عامة بوصفها فن الفهم كما أراد لها شلايرماخر.

غير أنه في أواخر القرن التاسع عشر بدأ الفيلسوف النابغ ومؤرخ الأدب «فيلهلم دلتاي»

W. Dilthey (1833-1911م) يرى في الهرمنيوطيقا أساسا لكل «العلوم الروحية»

Geisteswissens-Chaften

أي الدراسات الإنسانية والعلوم الاجتماعية، أي كل تلك الأفرع البحثية التي تضطلع بتفسير تعبيرات الحياة الداخلية للإنسان سواء كانت هذه التعبيرات إيماءات أو أفعالا تاريخية أو قانونا مدونا أو أعمالا فنية أو أدبية.

كان هدف «دلتاي» هو تشييد مناهج للوصول إلى تأويلات «صائبة موضوعيا» ل «تعبيرات الحياة الداخلية»، وكان رد فعله حادا تجاه ميل الدراسات الإنسانية إلى تبني طرق التفكير الخاصة بالعلوم الطبيعية وتطبيقها في دراسة الإنسان، ولم تكن الاتجاهات المثالية في نظر دلتاي بديلا أقوم، فقد ذهب تحت تأثير كونت إلى أن الخبرة العيانية وليس التأمل النظري هي ما ينبغي أن يكون نقطة البدء لأي نظرية في «العلوم الروحية»، الخبرة المعاشة التاريخية الملموسة هي نقطة البدء وهي الختام في علوم الروح، الحياة نفسها هي ما يجب أن ينبع منه تفكيرنا وما يجب أن يتجه إليه تساؤلنا اتجاها مباشرا، علينا ألا نذهب وراء الحياة إلى عالم من الأفكار: «فوراء الحياة نفسها لا يمكن لتفكيرنا أن يمضي.»

ثمة مسحة رومانسية

1

في هذا التوكيد على العودة إلى الحياة نفسها، وليس من المستغرب أن دلتاي أصدر دراسات حول نوفاليس وجوته وشلايرماخر، لقد كان مغمورا في الإرث الرومانسي إذن بحيث تبدى له بوضوح شديد عجزت الوضعية والواقعية بجميع صورهما عن الإمساك بالخبرة الحية ذاتها في امتلائها ومباشرتها وتعدد ألوانها، إننا نلمس في دلتاي شيئا من ذلك التوتر الأساسي الذي يسم تفكير القرن التاسع عشر: تلك الرغبة الرومانسية في المباشرة والكلية حتى عندما نكون بصدد البحث عن معطيات يفترض أن تكون «صائبة صوابا موضوعيا»، لقد كان عقله الدءوب يناضل ضد النزعة التاريخية والسيكولوجية، وقد تجاوزهما بعض الشيء؛ إذ نجد في فكره فهما للتاريخ أعمق من فهم المدرسة التاريخية في ألمانيا، ونجد تجاوزا للنزعة السيكولوجية عند شلايرماخر في التأويل، والحق أننا نجد في دلتاي التقاء لتيارين فلسفيين كبيرين لم يلتقيا من قبل: التيار الواقعي والوضعي الإنجليزي والفرنسي من جهة، وتيار المثالية الألمانية وفلسفة الحياة من جهة أخرى، لقد حاول دلتاي أن يصوغ أساسا إبستمولوجيا للعلوم الروحية فكانت محاولته نقطة التقاء لنظريتين مصطرعتين حول المنهج الصحيح لدراسة الإنسان.

2 (1) البحث عن أساس منهجي للعلوم الروحية

كان مشروع دلتاي هو صياغة منهج ملائم للعلوم المختصة بفهم التعبير الإنساني الاجتماعي والفني، وكان على وعي واضح بعجز المنظور الرديء والآلي للعلوم الطبيعية عن الإيفاء بهذه المهمة والإمساك بجمع الظاهرة الإنسانية، ومن هنا فقد نظر إلى هذه المهمة على أنها مشكلة إبستمولوجية من جهة، وأنها تتطلب تعميق تصورنا للوعي التاريخي من جهة ثانية، وأنها تعكس حاجة إلى فهم التعبيرات التي تنبع من «الحياة ذاتها» من جهة ثالثة، وعندما يتم لنا فهم هذه العوامل الثلاثة سيتضح لنا الفارق بين طريقة معالجة العلوم الروحية وطريقة معالجة العلوم الطبيعية.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٣٠