Causality Oriented
والنزعة الطبيعية
Naturalistic
عندما يستخدم بهدف فهم الحياة الباطنة والخبرة الداخلية للإنسان، ذهب دلتاي إلى أن ديناميت الحياة الداخلية للإنسان هي مركب من المعرفة والشعور والإرادة، وهذه أمور لا يمكن إخضاعها لمعايير العلية وتصلب التفكير الكمي الالي، ورأى دلتاي أن جلب مقولات فكرية من «نقد العقل الخالص» لكي تستخدم في فهم الإنسان هو في حقيقة الأمر إقحام لمجموعة من المقولات المجردة من خارج الحياة وغير مستمدة من الحياة، إنها مقولات سكونية، لا زمانية، مجردة، أي نقيض الحياة ذاتها.
إن موضوع العلوم الإنسانية هو الحياة الإنسانية، وفهم الحياة الإنسانية ينبغي ألا يقوم على مقولات خارجة عن الحياة، بل على مقولات من صميم الحياة ومستقاة من الحياة، فهم الحياة يجب أن يتم من خبرة الحياة ذاتها، يقول دلتاي: إن «الذات العارفة» التي شيدها لوك وهيوم وكانت «لا يجري في عروقها دم حقيقي»، ذلك أن هؤلاء يضيقون نطاق المعرفة ويقصرونها على ملكة الإدراك بانفصال عن الشعور والإرادة، وفضلا عن ذلك فإنهم كثيرا ما يتحدثون عن الإدراك كما لو أن بالإمكان عزله عن السياق التاريخي الصميم لحياة الإنسان الباطنة، في حين أننا في حقيقة الأمر ندرك ونفكر ونفهم في ضوء الماضي والحاضر والمستقبل ووفقا لمشاعرنا ومطالبنا والتزاماتنا الأخلاقية. من الواضح إذن أننا لا بد أن نعود إلى الخبرة المعاشة، وإلى الوحدات ذات المعنى كما هي موجودة في الخبرة المعاشة.
والعودة إلى «الحياة» لا تعني عند دلتاي العودة إلى أرضية صوفية أو مصدر سري لكل حياة إنسانية وغير إنسانية، أو لعودة لنوع ما من الطاقة النفسية الأساسية، بل هو يرى الحياة من حيث «المعنى»، فالحياة هي «الخبرة الإنسانية؛ إذ تعرف من الداخل» و«ليس بوسع الفكر أن يمضي فيما وراء الحياة»، ومقولات الحياة ليست نابعة من واقع مفارق، بل من واقع الخبرة المعاشة، لقد أفصح هيجل من قبل عن نيته في أن يفهم الحياة من الحياة ذاتها، فجاء دلتاي ليضع هذا المقصد في سياق غير ميتافيزيقي (مضاد للميتافيزيقا)، سياق ليس بالواقعي ولا بالمثالي بل سياق فينومينولوجي، لقد ذهب مثل هيجل إلى أن الحياة هي واقع «تاريخي»، غير أن التاريخ عنده ليس غاية مطلقة أو تجليا لروح مطلق بل هو تعبير عن الحياة، فالحياة نسبية، وهي تعبر عن نفسها في أشكال عديدة، والحياة في الخبرة البشرية ليست «مطلقا» بأي معنى من المعاني. (2) العلوم الإنسانية كمقابل للعلوم الطبيعية
ماذا يعني الطرح الذي قلناه بالنسبة لمناهج دراسة الإنسان؟ يؤكد دلتاي أن على «الدراسات الإنسانية» أو «العلوم الروحية»
Geisteswissenschaften
أن تصوغ لها نماذج جديدة لتأويل الظواهر الإنسانية، هذه النماذج ينبغي أن تكون مستمدة من طبيعة الخبرة المعاشة ذاتها، وأن تكون قائمة على مقولات «المعنى»
Meaning
بدلا من «القوة»
Power ، قائمة على التاريخ بدلا من الرياضيات، لقد كان دلتاي يرى فارقا جوهريا بين الدراسات الإنسانية والعلوم الطبيعية.
فالدراسات الإنسانية تتناول وقائع وظواهر ليست منبتة عن الإنسان، بل لا يكون لها معنى إلا بقدر ما تسلط الضوء على العمليات الداخلية في الإنسان، على «خبرته الداخلية»، إن المناهج الملائمة للموضوعات الطبيعية لا تكفي لفهم الظواهر الإنسانية إلا في حالتها من حيث هي موضوعات طبيعية، ومع ذلك فالدراسات الإنسانية متاح لها شيء غير متاح في العلوم الطبيعية، وهو إمكانية فهم الخبرة الداخلية لشخص آخر من خلال عملية انتقال ذهني باطنة وخفية، يقول دلتاي: «بالضبط لأن هناك انتقالا حقيقيا يمكن أن يحدث (عندما يفهم إنسان إنسانا)، ولأن تقارب الفكر وعموميته يمكن أن يمتدا ويشكلا عالما اجتماعيا تاريخيا، يمكن للأحداث والعمليات الداخلية في الإنسان أن تتميز عن تلك الأحداث والعمليات الخاصة بالحيوان، وبفضل هذا «الانتقال الحقيقي» الذي يمكن حدوثه من خلال الموضوعات التي تجسد خبرة داخلية يستطيع الإنسان أن يبلغ درجة من الفهم وعمقا فيه يتعذر بلوغه بالنسبة لأي نوع آخر من الموضوعات، ومن الواضح أن مثل هذا الانتقال ما كان ليحدث لولا وجود تشابه بين وقائع خبرتنا الذهنية الخاصة وبين تلك الحقائق الخاصة بشخص آخر، هذه الظاهرة تحمل معها إمكانية أن نجد في الشخص الآخر أعمق أعماق خبرتنا نحن، وأن نكتشف من التقائنا به عالما داخليا أكثر امتلاء.»