هذه العملية الدائمة المستمرة من الإسقاط الجديد هي حركة الفهم والتأويل، وعلى المؤول لكي يبلغ أقصى فهم ممكن ألا ينخرط فحسب في هذا الحوار مع النص، بل أن يفحص على نحو صريح منشأ المعنى المسبق الذي بداخله ومدى صحة هذا المعنى، يقول جادامر: «وإدراك أن كل فهم لا بد له من أن يشتمل على بعض «التحيز»
Prejudice
أي «المعنى المسبق»
Fore-meaning
هو ما يمنح مشكلة الهرمنيوطيقا زخمها الحقيقي.» وجدير بالذكر أن جادامر يعتبر سعي «التنوير» إلى التخلص من كل التحيزات هو نفسه تحيزا! (تحيزا ضد التحيز!) إنه تحيز يحجب عنا تاريخيتنا الجوهرية وتناهينا الصميم.
إن المرء لا يمكنه أن يعرف العالم إلا من خلال الفهم المسبق، غير أن العالم من حيث هو عيني ويتجاوز ترميزنا له، يحملنا على مراجعة أفهامنا المسبقة، والخبرة التأويلية، اللقاء بالآخر، الإصغاء إلى «صوت الآخر»، انصهار الآفاق، ذلك الانصهار السياقي التاريخي، رغم أنه انصهار لغوي، هو ما يتيح لنا الهروب من سجن اللغة.
يترتب على ذلك أن المرء إنما يقرأ، إذ يقرأ، بجمع حضوره، ذلك أن فهم المرء المسبق هو كل الحضور: القراءة ليست عملية «عقلية»
Rational ، بل استنفار لكامل نطاق الممارسات الخاصة بالمعنى، عندما يقرأ المرء فإنه يراجع مرارا وتكرارا فهمه المسبق وحسه بموقفه الخاص قبالة النص.
ثمة حد لعالمنا الخاص، لواقعنا المدرك، ليس بمقدورنا أن نتجاوزه، ثمة «أفق»
Horizon
ليس بوسعنا أن نرى وراءه، و«الأفق» هو مجال الرؤية الذي يشتمل على كل ما يمكننا رؤيته من منظورنا الخاص، هو مقولات الفهم المتاحة لنا، والتي نرى بها وبقدرها ولا نملك أن نرى أبعد منها. وللنص نفسه، بما هو بنية رمزية قصدية، أفقه الخاص، أي نطاق المعارف عن العالم التي كتب النص في ظلها، هذا الاختلاف في الآفاق سيكون محط اهتمام النظرية التأويلية الثقافية والتاريخية.
يلتقي أفق القارئ بأفق النص، القارئ يقرأ بفهمه وبأطره المرجعية، ولكن ما يقرؤه هو بناء له عناصره ودقائقه وعلاقاته التي تحكمها آفاق الزمن الذي كتب فيه، القراءة إذن موثوقة بالنص وتاريخيته، كل قراءة هي محض تأويل ... دخول تاريخية القارئ في تاريخية النص، ليست هناك قراءة دائمة، هناك فقط قراءة تاريخية، ليس هناك معنى دائم أو مثالي، هناك فقط معنى وجودي، أي المعنى كما يبزغ خلال فهم القارئ التاريخي للنص التاريخي، ونحن حين نستخدم كلمة «تاريخي» إنما نريد أن نذكر بأن النفس كيان ثقافي، وأن المعنى هو شيء ثقافي مشيد (وإن لم يكن مستنفدا) بالعلامات
signs ، وأن آفاق المرء يحددها الوجود الثقافي للمرء، وأن العالم بطبيعته متغير وقابل للتغيير.
يجسد النص «أسلوب» المؤلف، بصمته الشخصية وختمه الفردي، فهمه الشعوري واللاشعوري للعالم وتوجهه فيه، وتلك المنطقة التي تشغله والتي تعرف (بالمعنى الفينومينولوجي الأوسع) بالقصدية، ومن المحتم أن أسلوب المؤلف، ووجوده لذاته بالمعنى السارتري، سيكون أيضا أمرا ثقافيا، حيث إن الدلالة هي جلب ثقافي للخبرة وإبراز لها إلى حيز الوجود.
ووظيفة الشكل هي أن يفتح النص للحوار، فالشكل هو طريقة تشييد العالم الرمزي بحيث تكون هناك مشاركة، ينسحب ذلك أيضا على «الجنس الأدبي»
Genre
وعلى التيمات التراثية المحورية برموزها وعلاقاتها المميزة، وكما يقول فالديس
Valdes
في «الهرمنيوطيقا الفينومينولوجية ودراسة الأدب»، فإن النص يتكون من: الشكل، والتاريخ، وخبرة القراءة، والتأمل الذاتي للمؤول.
وقد أضاف يورجين هابرماس مسحة سياسية إلى مشكلة الفهم التاريخي، من حيث إن تجسد الفهم في النص قد ينطوي على تحريف مترسب، وتواصل مشوه تشويها منظما، إن آفاق المرء نفسه قد تشتمل على رواسب ثقيلة من الظلم لا يعرفها ولا يعترف بها.