تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورغم أن الخبرة تمثل لنا من خلال «الدلالة»

Signification

فإن الخبرة ليست مجرد لغة أو مجرد أنساق دالة بصفة عامة، الخبرة سابقة على عملية الدلالة، وإن تكن الدلالة هي التي تأتي بالخبرة إلى حيز المعنى، وفي حين أن الدلالة تجعل الخبرة تصبح ذاتها فإن هناك فائضا من المعنى للوجود، إنه فائض يروغ من النطق ويفلت من شبكة اللغة، ومن ثم فهناك دائما شيء «بين السطور»، شيء «على طرف اللسان»، شيء لا يقال ويوشك أن يقال، وهناك دائما حاجة إلى «الاستعارة»

Metaphor

و«الصورة»

Image

و«السرد»

Narrative

و«الاشتراك اللفظي»

Polysemy ... إلخ، نحن «وجود في العالم»، على قول هيدجر، هذه ظاهرة معقدة متعددة الجوانب، غير أن العالم «يرجأ» دائما لا يستنفده ترميزه، ثمة دائما «فائض من المعنى» يهيب بك أن تطاله ... أن تقوله.

والوعي هو دائما «وعي ب»، الوعي «يقصد» ويتجه إلى شيء ما، ولديه «موضوع» ما، الوعي «متعد»

transitive ، إن صح التعبير، الوعي دائما «وعي بموضوع ما»، هذه «القصدية»

intentionality

هي في القلب من عملية المعرفة، نحن نعيش في المعنى.

نعيش «نحو» شيء ما، وفي توجه إلى الخبرة، ومن ثم فهناك بنية قصدية في النصية والتعبير، وفي معرفة الذات وفي معرفة الآخرين، هذه القصدية هي أيضا مسافة: الوعي ليس في هوية مع موضوعاته، بل هو يقصد إلى موضوعاته ويراودها.

وحيث إن الوعي بالذات، وكذلك الوعي بالآخر، أمر قصدي، فإن هذا يعني أن في قلب الوجود وصميمه ثمة مسافة: هذه المسافة قد يقال لها «الدلالة»

Signification ... تصنيع الخبرة.

الوعي الذاتي فعل ثقافي، والثقافة فعل شخصي، وفي هذا يقول ريكور: «من ناحية، يمر الفهم الذاتي خلال منعطف فهم العلامات الثقافية التي فيها توثق النفس ذاتها وتشكلها، ومن الناحية الأخرى فإن فهم النص ليس غاية في ذاته، إنه يتوسط علاقة المرء بذاته، المرء الذي لا يجد في دائرة التأمل المباشر معنى حياته الخاصة؛ لذا لا بد أن نقول بنفس القوة: إن التأمل ليس شيئا بدون وساطة العلامات والأعمال (الفنية، الأدبية ... إلخ) وأن التفسير ليس شيئا إذا لم يكن مندمجا كحالة وسطى في عملية الفهم الذاتي، وباختصار: في التأمل الهرمنيوطيقي - أو في الهرمنيوطيقا التأملية - فإن تشكيل «النفس» يكون متعاصرا مع تشكيل «المعنى»» (بول ريكور: ما هو النص).

وفي علاقة الثقافة بالنفس يقول جادامر: «بزمن طويل قبل أن نفهم أنفسنا من خلال عملية التفحص الذاتي، فإننا نفهم أنفسنا بطريقة بديهية في الأسرة والمجتمع والدولة التي نعيش فيها، إن بؤرة الذاتية هي مرآة غير أمينة، وإدراك المرء لذاته لا يعدو أن يكون بصيصا ضئيلا في الدوائر المغلقة للحياة الاجتماعية، هذا هو السبب في أن تحيزات الفرد تشكل الواقع التاريخي لوجوده.»

لكي «يفهم»

understand

المرء ينبغي أن «يفهم سلفا»

fore-understand

أن يكون لديه موقف، استباق، سياقية، هذا هو ما يعرف ب «دائرة الهرمنيوطيقا»: فالمرء لا يسعه أن يعرف إلا ما هو مؤهل لمعرفته، يمكن أن نعد دائرة الهرمنيوطيقا عملية تضييق فطري وتعمية ذاتية لا تسمح للمرء بأن يعرف إلا ما هو مؤهل لمعرفته، وبحسب النظرية التأويلية الفينومينولوجية فإن دائرة الهرمنيوطيقا ليست مغلقة بل مفتوحة، وذلك بفضل الطبيعة الرمزية والتأملية الذاتية لوجودنا.

في معرض تفسيره لهيدجر يتناول جادامر في «الحقيقة والمنهج» مسألة المعرفة المسبقة في مواجهتنا مع النصوص، فيقول بأننا لا يمكن أن نقرأ النص إلا بتوقعات معينة، أي بإسقاط مسبق، غير أن علينا أن نراجع إسقاطاتنا المسبقة باستمرار في ضوء ما يمثل هناك أمامنا، وبإمكان كل مراجعة لإسقاط مسبق أن تضع أمامها إسقاطا جديدا من المعنى، ومن الممكن أن تبزغ الإسقاطات المتنافسة جنبا إلى جنب إلى أن تغدو وحدة المعنى أكثر وضوحا، ويتبين كيف يمكن أن تترابط الرموز والعالم.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٢