يرى جادامر أن فكرة استعادة المعنى التاريخي هي خرافة قائمة على إغراق مثالي، لقد اقتطع النص من سياقه الأصلي وانغمد في سياق غريب عنه خلال فعل القراءة، ولا سبيل إلى استعادة المعنى الأول أو تعافي المعنى الأصلي؛ وذلك لتدخل المشكلات التالية:
أين يبدأ ما هو معاصر للنص وأين ينتهي؟
كيف يمكننا أن نفصل بين ذلك الشيء المكون للنص والذي هو تاريخي بالنسبة إليه (أي سابق على الموقف المعاصر للنص) وبين ذلك الشيء المعاصر للنص فحسب؟
كيف يمكننا أن نتيقن من معرفتنا في أية حالة؟
يبدو أن تعافي المعنى الأصلي هو، في كثير من الأحيان، وهم وضلال وغاية لا تدرك، فالمعنى الأصلي قد مضى «في ذمة نفسه!» ... تبدد فور انبثاقه ولم يبق منه إلا تأويله! إنه كذكر النحل الذي يموت فور الإخصاب، يموت فور التقائه بحقيقته، لا يحكم «الأصل» إلا يوما واحدا يخلع بعده ويصبح سبيا للحاكم الأبدي الفعلي، التأويل.
ليست هناك حقائق، كما يقول نيتشه، هناك فقط تأويلات، والإنسان هو ذلك «الحيوان التأويلي» الذي يفهم نفسه وفقا لتأويل ميراث وعالم مشترك تسلمه من الماضي، ميراث حاضر وناشط دائما في أفعاله وقراراته، غير أننا، بنزغ مثالي عتيد، نظن أننا نعيش في الحقائق، ويصر كل منا على أن عقله يحتكر الحقيقة، وعلى أن الحقيقة قد وقعت في غرام عقله بخاصة، وأقامت في «سياقه» بالذات، وقلما نتفطن إلى أننا نعيش في عالم من التأويلات التي تتضارب أمام أعيننا، فتثير غبارا حينا، وتسيل دماء في كثير من الأحيان.
ورغم أن «فهمنا المسبق»، كما أكد هيدجر وجادامر، هو أداتنا وعدتنا للفهم، فنحن نصادر به ولا نريد أن نصهر أفقنا بأفق النص، ولا نريد أن ندخل في حوار صادق مع النص، لا نريد أن نصغي إلى «صوت الآخر»، لا نريد أن نراجع إسقاطاتنا المسبقة في ضوء ما يبزغ أمامنا في عملية القراء، وبذلك نتصلب عند فهمنا المسبق لا نعدوه، ولا نقرأ النص قراءة حقيقية، بل نخرس النص ونفرض عليه ما ليس فيه، وتظل رواسب سوء الفهم تتراكم عبر السنين، بانتظار «هيدجر جديد» يعيد صقل الكلمات حتى يشع بريقها الأصلي من جديد، هكذا يفوتنا مغزى النص ورسالته وبلاغه، ويشيح عنا النص وقد وجدنا غير جديرين بهديته.
آفة المذاهب جميعا هي أنها تتحول على يد التابعين وتابعيهم إلى أصنام مفرغة من الروح، وقوالب صفيقة هجرتها معانيها الأصلية ومقاصدها الأولى، وسكنتها عناكب الجمود وأفاعي التعصب، بحيث لو عاد مؤسسوها إلى الحياة لجهلهم السدنة الجدد وما عرفوهم، ورأوهم ناشزين منشقين، وأعادوهم ثانية إلى الموت.
عادل مصطفى
الكويت في 15 / 4/ 2003م
الفصل الأول
| طبيعة هرمس وطبيعة الهرمنيوطيقا
تأتي كلمة «هرمنيوطيقا» من الفعل اليوناني
Hermeneuein
ويعني «يفسر»، والاسم
Hermeneia
ويعني «تفسير»، ويبدو أن كليهما يتعلق لغويا بالإله «هرمس»
Hermes
رسول آلهة الأولمب الرشيق الخطو الذي كان بحكم وظيفته يتقن لغة الآلهة، ويفهم ما يجول بخاطر هذه الكائنات الخالدة، ثم يترجم مقاصدهم، وينقلها إلى أهل الفناء من بني البشر، ويذكر كل من اطلع على الإلياذة والأوديسا أن هرمس كان ينقل الرسائل من زيوس - كبير الآلهة - إلى كل من عداه وبخاصة من جنس الآلهة، وينزل بها أيضا إلى مستوى البشر، وهو إذ يفعل ذلك فقد كان عليه أن يعبر البون الفاصل بين تفكير الآلهة وتفكير البشر.
وتقول الأساطير: إن هرمس كان لديه خوذة سحرية (طاقية هاديس) تجعل خفيا عن الأعين، وتمكنه من أن يظهر فجأة وقتما يشاء، وكان لديه خفان مجنحان لكي يحملاه بسرعة عبر المسافات الطويلة، وعصا سحرية يمكنه أن ينيم بها من يشاء ويوقظ، فهو لا يعبر المسافات الفيزيائية والفجوات الأونطولوجية بين الآلهة والبشر فحسب، بل إنه ليجتاز البون بين المرئي والمحجوب، وبين اليقظة والمنام، وبين الوعي واللاوعي، إنه الإله الزئبقي (عطارد الرومان) للخواطر الشاردة والإلهامات والبصائر المفاجئة، وهو أيضا لص، بل هو إله السرقة وقطع الطريق وضربات الحظ، وكان هرمس أيضا إله مفارق الطرق والتخوم حيث تتراكم الصخور