تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونتيجة لتضارب هذه المداخل إلى تأويل الرموز اليوم يرى ريكور أنه لا سبيل إلى قوانين عمومية للتفسير، فلدينا فقط نظريات متعارضة ومنفصلة تتعلق بقواعد التأويل، وبينما يعامل الطرف الأول (نازعو الأسطورة) الرمز أو النص على أنه نافذة إلى واقع مقدس، فإن الطرف الثاني (كاشفي الزيف) يعاملون الرموز نفسها (ولتكن نصوص الإنجيل) على أنها واقع زائف لا بد من تحطيمه.

أما تناول «ريكور» نفسه لفرويد فقد كان مرانا رائعا في النوع الأول من التأويل (نزع الأسطورية وصولا إلى الدلالة الحقة)، إنه «يسترد» أو «يستعيد» دلالة فرويد من جديد إلى اللحظة الحاضرة، ويحاول أن يجمع بين عقلانية الشك من جهة وبين الإيمان بالتأويل الاستردادي أو الاستعادي، ويضمها معا في فلسفة تأملية لا تنسحب إلى تجريدات محضة أو تتنكس إلى تدريب بسيط في الشك؛ فلسفة تقبل التحدي الهرمنيوطيقي في الأساطير والرموز وتجسد، من خلال التأمل، ذلك الواقع الكامن وراء اللغة والرمز والأسطورة، إن الفلسفة اليوم منكبة على اللغة أصلا، ومن ثم فهي، بمعنى ما، هرمنيوطيقا، والتحدي الحقيقي هو أن نجعلها هرمنيوطيقية على نحو مبدع خلاق.

1

الفصل الرابع

| كلادينيوس: الهرمنيوطيقا في عصر التنوير

(1) العصر الوسيط

في العصر الوسيط ساد مفهوم المستويات الأربعة للمعنى في تفسير النصوص المقدسة:

المعنى الحرفي

Literal Meaning .

المعنى الرمزي (الاستعاري)

Allegorical (Metaphorical Meaning) .

المعنى الباطني (الروحي)

Anagogic (Spiritual Meaning) .

المعنى الخلقي

Topological (Moral) .

وقد كان السائد قبل القديس أوغسطين هو المبادئ الثلاثة أو المحاور الثلاثة التي يدور عليها تفسير النصوص المقدسة؛ وأولها: هو الالتزام بحرفية النص

Literal ، أي ظاهر اللفظ، والثاني: هو المغزى الخلقي

Moral

مبادئ السلوك المستقاة من النص، والثالث: هو الدلالة الروحية

Spiritual

أي الخاصة بالإيمان والراحة النفسية، وقد قام القديس أوغسطين بتعديل هذه المستويات الثلاثة فأصبحت: المعنى الحرفي، والمغزى الأخلاقي، والدلالة الرمزية، ثم التأويل الباطني

Anagogical

أو الروحي للنص المقدس، أي إنه عدل بعض الشيء في مفهوم القيمة الروحية للنص فجعله استشفافيا يقوم على ما توحي به الكلمات لا على ما تعنيه، وأضاف الدلالة الرمزية. (2) عصر التنوير

يعرف «عصر التنوير» بأنه تلك الفترة من الفكر الأوروبي التي اتسمت بروح جديدة من الثقة بالعقل والشك في كل سلطة تقليدية، وبزوغ تدريجي لأفكار الحرية والديمقراطية وفصل السلطات، والتعويل على المنهج والتجربة، والتفاؤل والإيمان بالتقدم التاريخي البشري من خلال التربية وباستعمال العقل والالتزام بالموضوعية العلمية. بدأت إرهاصات التنوير في إنجلترا في القرن السابع عشر مع كتابات فرنسيس بيكون وتوماس هوبس، وفي فرنسا أيضا مع كتابات ديكارت الذي أكد على قدرة العقل وحده، ودون عون من أي ملكة أخرى، على الوصول إلى جميع الحقائق العسيرة المنال، غير أن التنوير بلغ أوجه في القرن الثامن عشر وبخاصة في فرنسا مع «الموسوعيين»، وفي اسكتلندا مع ديفيد هيوم وآدم سميث، وفي ألمانيا مع إمانويل كانت، ويعد «دستور الولايات المتحدة» بعامة هو التجسيد العيني الملموس لأفكار التنوير. (3) كلادينيوس

يعد «كلادينيوس»

Chladenius (1710-1759م) نموذجا يمثل خير تمثيل فكر التنوير حين ينصب على قضية التأويل، كان كلادينيوس ينادي بتأسيس مبحث منفصل للتأويل يتميز عن كل من فقه اللغة (الفيلولوجيا) ونقد النصوص، وكان السؤال الأساسي الذي يشغله هو: هل بالإمكان وضع قواعد أو أحكام لعملية التأويل؟ أما جوابه المبدئي الذي حاول جهده أن يبسطه ويتوسع فيه، فهو كما يتوقع كل من ألم بالروح السائدة في عصر التنوير: «نعم، فإذا ما اتبعنا مجموعة من القواعد السديدة فمن الممكن أن نصل إلى التفسير الصحيح والكامل.»

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٢١