الهرمنيوطيقا عند كلادينيوس هي فن تقني ضروري للدراسات التي تعتمد على تأويل النصوص: التاريخ، والشعر، واللاهوت، والقانون، والإنسانيات باستثناء الفلسفة باعتبارها شكلا من الجدال المحض أو من الاختبار النقدي للأفكار.
يعتقد «كلادينيوس» حقا في إمكان الوصول إلى تفسيرات تامة وسديدة، ويقترح طريقة للظفر بفهم كامل لأي نص من النصوص، يقول كلادينيوس إن العمل المنطوق أو المكتوب، ما لم يصطنع الكذب والخداع، يرمي إلى هدف واحد وهو أن يفهم القارئ أو المستمع النص المقروء أو المنطوق فهما كاملا، والحكاية التي تقال أو تكتب لشخص ما تفترض دائما أن هذا الشخص سوف يستخدم معرفته عن الأحوال السائدة لكي يكون قرارا معقولا، ويمكن أيضا تعزيز هذا الهدف بفضل طبيعة الوصف ذاته وبفضل ما لدينا من حس مشترك، ومن ثم فإذا كان باستطاعتنا الحصول من الرواية على فكرة عن الظروف تسمح لنا بصنع القرار المناسب نكون عندئذ قد فهمنا الرواية فهما كاملا.
يعني ذلك أن على المرء أن يأخذ بالاعتبار:
الأحوال السائدة أو الظروف الغالبة.
غرض النص أو نيته.
الحس المشترك.
ويبدو أن فهم الأحوال السائدة يعني فهم حقائق الموضوع، ويضرب كلادينيوس في ذلك مثلا بقائد حربي يتسلم رسالة تحذره من احتمال وقوع هجوم على حصونه، مثل هذا القائد يجب أولا أن يعرف أن مرسل التحذير هو شخص يمكن أن يوثق به، وهذا اللون من المعرفة هو جزء من الأحوال السائدة، ويجب أن يعرف أن الرسالة تعني حقا ما تقول وتقصد التحذير بالفعل ولا تقصد شيئا آخر، وذلك حتى لو كانت الرسالة مكتوبة بطريقة غامضة ملتبسة، والآن إذا ما اتخذ هذا القائد قرارا بهذا الشأن يكون عندئذ قد «فهم» التحذير فهما كاملا.
ويرتبط بمسألة النية أو القصد، أن بعض النصوص تعني ما هو أكثر من تقرير حقائق، وتقدم ما هو أكثر من أخبار وقائعية، فهناك نصوص تقدم دروسا أخلاقية وبعض النصوص تعلم مفاهيم، فإذا ما تم لنا تعلم هذه المفاهيم وتلك الدروس نكون قد فهمنا النص فهما كاملا.
ومن الواضح أن مقصد النص يعتمد على مقصد المؤلف، فقد يقصد المؤلف من نصه أن يسلي القارئ أو يمتعه، فإذا حدث أني تسليت حقا في قراءة النص واستمتعت يكون هذا إذن هو فهم كامل؛ ومن ثم فأنا لكي أعي المعنى التام للنص فلا بد أن أعي نية المؤلف ومقصده، ولكي أفهم أمرا لا بد أن أدرك مشيئة الشخص الذي يصدر الأمر، وهو شيء يختلف عن فهم «قضية»
Proposition
ما بحد ذاتها، إنما ينبغي على المرء أن يفهم القضية كما أرادها قائلها وما عنى بها. (4) إضاءة من اللغويات الحديثة، على ذكر تأويلية كلادينيوس (4-1) الإضمار الحواري
Conversational Implicature
حين ترد جملة ما في التداول الفعلي، فإننا نفسر دائما هذه الجملة النموذج ونؤولها وفقا للسياق ووفقا للظروف التي نطقت فيها، ونحن نسترشد في هذه التأويلات بالسيكولوجيا الشعبية، وبفهمنا لمعايير المحادثة وبأي معرفة عامة عن العالم تبدو مفيدة لنا في فهم ما يقال، ولنوضح بمثال ما نعنيه ب «معايير المحادثة»
Conversational Standards ، افترض أنني أسأل ضيفا لي: «هل لك في بعض القهوة؟» فيجيبني الضيف: «القهوة سوف تبقيني صاحيا.» إنني حينئذ سوف أؤول هذا القول كرفض للعرض الذي عرضته، لماذا؟ لأنني أفترض أن ضيفي يلتزم بمعيار تحادثي ذي صلة.
إن ما يقوله ضيفي لا يتضمن، وفق المعايير المنطقية الصارمة، أنه لا يريد قهوة، غير أنه يتضمن ذلك وفق المعايير الخاصة بإضمار المحادثة أو «الإضمار الحواري».
1 (4-2) معنى الكلمة/الجملة، والمعنى عند المتحدث
word/sentence meaning vs. speaker’s meaning
في الأحوال المثلى يكون ما أعنيه بالكلمة التي أستعملها هو بعينه ما تعنيه الكلمة، وما أقصد إليه بالجملة التي أستعملها هو بعينه ما تقوله الجملة، غير أن ما أعنيه (مقصدي الاتصالي) متميز من حيث المبدأ - وربما مختلف عمليا - عن المعاني القياسية للعناصر اللغوية التي يقع عليها اختياري، فقد أود أن أدل على النقطة العليا في حدث ما وأبحث من أجل ذلك عن كلمة مناسبة، فيقع اختياري على