تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي يتفاعل جدليا مع التراث المنقول خلال النص ويدخل في حوار خلاق معه.

ويتقدم جادامر بالهرمنيوطيقا خطوة أخرى إلى الأمام، إلى المرحلة «اللغوية»، فيدفع بأطروحته التي تفيد أن «الوجود الذي يمكنه فهمه هو اللغة»! فالهرمونيوطيقا هي التقاء بالوجود من خلال اللغة، وينتهي المطاف بجادامر إلى أن يؤكد الصبغة اللغوية للواقع الإنساني نفسه، وتنغمر الهرمنيوطيقا في الأسئلة الفلسفية المحضة عن علاقة اللغة والفهم والتاريخ والواقع، هكذا تقف الهرمنيوطيقا في مركز المشكلات الفلسفية اليوم، فهي لا يمكن أن تتحاشى الأسئلة الإبستمولوجية أو الأنطولوجية، ما دام الفهم نفسه يعرف على أنه مسألة إبستمولوجية، وأنطولوجية الهرمنيوطيقا بوصفها نسقا للتأويل (استعادة المعنى كمقابل لتحطيم الأوثان).

في كتابه

De L’interpretation

1965م يتبنى الفيلسوف الفرنسي بول ريكور

Paul Ricoer

تعريفا للهرمنيوطيقا يعود إلى التركيز على تفسير النصوص

Exegesis

بوصفه العنصر المحوري المميز للهرمنيوطيقا، يقول ريكور إننا نعني بالهرمنيوطيقا نظرية القواعد التي تحكم التأويل، أي تأويل نص معين أو مجموعة من العلامات التي يجوز اعتبارها نصا، التحليل النفسي على سبيل المثال، وبخاصة تفسير الأحلام، هو شكل من الهرمنيوطيقا من غير شك، ذلك أن كل عناصر الموقف الهرمنيوطيقي تتوافر فيه: فالحلم هو نص ... نص مليء بالصور الرمزية، والمحلل النفسي يستخدم نسقا تأويليا لكي يقيض للحلم تفسيرا يخرج المعنى الكامن إلى السطح. الهرمنيوطيقا هي عملية فك الرموز التي تمضي من المحتوى الظاهر أو المعنى الظاهر إلى المعنى الكامن أو الخفي، أما موضوع التأويل، أي النص بمعناه العريض، فقد يكون رموزا في حلم، وقد يكون أساطير المجتمع والأدب ورموزهما.

تميز دراسة ريكور بين الرموز المحددة الأحادية المعنى

Univocal

والرموز الملتبسة المتعددة المعنى

Equivocal : أما الأولى فهي علامات تشير إلى معنى واحد، ومن أمثلتها الرموز في المنطق الرمزي، وأما الثانية فهي مجال الهرمنيوطيقا الحقيقي؛ لأن على الهرمنيوطيقا أن تتعامل مع النصوص الرمزية ذات المعاني المتعددة، مثل هذه النصوص قد تشكل وحدة سيمانتية (دلالية)، كما في الأساطير، لها معنى سطحي خارجي مترابط تماما ولها في الوقت نفسه دلالة باطنة أعمق، والهرمنيوطيقا هي النسق الذي به تنكشف الدلالة العميقة الكامنة تحت المحتوى الظاهر.

غير أن عملية البحث عن معنى خفي في الأحلام وفي زلات اللسان يبين، في حقيقة الأمر، عدم الثقة - أي الارتياب - في الواقع الخارجي أو الظاهر، ومن مآثر فرويد أنه جعلنا «نرتاب» في فهمنا الواعي لأنفسنا، وأنه يهيب بنا بعد أن نحطم خرافاتنا وأوهامنا، بل حاول فريد أن يثبت لنا، كما في «مستقبل وهم»، أن أعز اعتقاداتنا وأعمقها هي في حقيقتها أوهام طفلية، وظيفة الهرمنيوطيقا الفرويدية إذن هي «تحطيم الأوثان»

Iconoclasm .

هذا ما دفع «ريكور» إلى أن يقول بوجود نظامين من الهرمنيوطيقا في الأزمنة الحديثة مختلفين تمام الاختلاف: أما الهرمنيوطيقا الأولى فتمثلها فكرة بلتمان عن «نزع الطابع الأسطوري»

Demythologizing ، وهي تتعامل مع الرمز بمودة وحب في محاولة لاسترداد معنى خفي فيه، وأما الثانية فتعمد إلى تدمير الرمز بوصفه تمثيلا لواقع زائف، إنها تنزع الأقنعة وتحطم الأوهام في محاولة عقلية لا هوادة فيها لكشف الأستار وفضح التعمية والزيف

Demystification ، هذه هي «هرمنيوطيقا الارتياب»

Hermeneutics of Suspicion

التي يمثلها الارتيابيون الثلاثة العظام: ماركس ونيتشه وفرويد، كان كل واحد من هؤلاء يؤول الواقع السطحي الظاهر كزيف وكذب ويقدم نسقا من الفكر من شأنه أن يهدم هذا الواقع، كان ثلاثتهم مناوئين للعقيدة مناوأة شديدة، وكان ثلاثتهم يرون الفكر الحقيقي تمرسا في «الارتياب» والشك، ويقوضون ثقة الفرد الزائفة في الواقع وفي اعتقاداته ودوافعه، ويدعون إلى تحول في منظور الرؤية ونسق جديد لتأويل المحتوى الظاهر لعوالمنا، أي يدعون إلى هرمنيوطيقا جديدة.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٢٠