تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Causal : إنها «تعرف» موضوعها «من الخارج»، ويبقى موضوعها غريبا عن العالم الإنسان، أما «الفهم» فهو في المقابل «يعرف» موضوعه (كائن إنساني أو إنتاج إنساني) «من الداخل»: إن بمقدوري أن أعرف الحياة الباطنة لشخص آخر لأنني أيضا شخص، ليست هذه معرفة بالروابط السببية بل معرفة بشبكة من المعاني مماثلة لشبكة المعاني التي أفهم بها نفسي.

ذهب دلتاي إلى أن العلوم الإنسانية يلزمها «نقد» آخر للعقل يقدم للفهم التاريخي ما قدمه كانت في «نقد العقل الخالص» للعلوم الطبيعية؛ ذلك هو «نقد العقل التاريخي».

ففي مرحلة مبكرة من تطوره الفكري حاول دلتاي أن يؤسس نقده على صيغة محورة من علم النفس، ولما كان علم النفس مبحثا غير تاريخي فقد كانت محاولاته معوقة منذ البداية، انصرف دلتاي عن هذه المحاولة المبكرة، ووجد في الهرمنيوطيقا - بوصفها مبحثا معنيا بالتأويل، وبالتحديد تأويل موضوع تاريخي دائما وهو النص - وجد فيها الأساس الأكثر إنسانية وتاريخية لمحاولته الرامية إلى صياغة منهج إنساني حق للعلوم الروحية (الإنسانية/الثقافية)

Geisteswissenschaften . (5) الهرمنيوطيقا بوصفها فينومينولوجيا «الدازاين» وفينومينولوجيا الفهم الوجودي

في التحامه بالمشكلة الأنطولوجية التفت مارتن هيدجر

Martin Heidegger (1889-1976م) إلى المنهج الفينومينولوجي لأستاذه إدموند هسرل

E. Husserl ، وقدم دراسة فينومينولوجية للوجود اليومي للإنسان في العالم، ضمنها كتابه «الوجود والزمان»

Being and Time (1927م) الذي يعد اليوم تحفته الكبرى والمفتاح الحقيقي لفهم فكره الفلسفي، وقد أطلق هيدجر على التحليل الذي قدمه في «الوجود والزمان» اسم «هرمنيوطيقا الدازاين».

لا تشير الهرمنيوطيقا في هذا السياق إلى علم (أو قواعد) تأويل النصوص، ولا إلى منهج للعلوم الروحية (الإنسانية)، وإنما تشير إلى تبيان فينومينولوجي للوجود الإنساني ذاته. يشير تحليل «هيدجر» إلى أن «الفهم» و«التأويل» هما طريقتان، أو أسلوبان، لوجود الإنسان، ليس الفهم شيئا يفعله الإنسان بل هو شيء يكونه! ومن ثم يتكشف تأويل الدازاين عند هيدجر، وبخاصة بقدر ما يمثل أنطولوجيا الفهم، يتكشف أيضا عن أنه هرمنيوطيقا، لقد كان بحثه هرمنيوطيقيا في المحتوى وفي المنهج أيضا.

هكذا يعمق هيدجر مفهوم الهرمنيوطيقا والهرمنيوطيقي في «الوجود والزمان» فيمثل ذلك منعطفا هاما في تطور، وفي تعريف، كل من لفظة «هرمنيوطيقا» ومجالها، وبضربة واحدة أصبحت الهرمنيوطيقا موصولة بالأبعاد الأنطولوجية للفهم، ومتوحدة في الوقت نفسه بالصنف الخاص من الفينومينولوجيا الذي أتى به هيدجر.

ثم تكفل البروفسور «هانز جيورج جادامير»

Hans-Georg Gadamer (1900م-؟)، تلميذ «هيدجر» النابه، بتطوير متضمنا الهرمنيوطيقا الهيدجرية (سواء في «الوجود والزمان» أو في الأعمال اللاحقة) إلى عمل نسقي منظم في «الهرمنيوطيقا الفلسفية» ضمنها كتابه «الحقيقة والمنهج»

Truth and Method (1960م) الذي يعد أيضا تحفته الكبرى ويعد، شأنه شأن «الوجود والزمان» لهيدجر، من أهم الأعمال التي أنتجت في القرن العشرين.

يتعقب جادامر في كتابه «تطور الهرمنيوطيقا» بالتفصيل من شلاياماخر إلى دلتاي وهيدجر، مقدما بذلك أول وصف تاريخي تفصيلي للهرمنيوطيقا يشمل، ويعكس أيضا، الإسهام الثوري لهيدجر في هذا المجال، على أن «الحقيقة والمنهج» هو أكثر من مجرد تاريخ للهرمنيوطيقا، إنه محاولة لربط الهرمنيوطيقا بعلم الجمال وبفلسفة الفهم التاريخي، وهو يمثل اكتمالا لنقد هيدجر للهرمنيوطيقا في أسلوبها الأقدم عند دلتاي ، ويعكس شيئا من التفكير التأويلي عند هيجل بالإضافة إلى هيدجر، ويتمثل ذلك في مفهوم «الوعي التاريخي الحق»

Effective Historical consciousness

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٩