وعلى الرغم من اعتقاد «التنوير» في «الحقائق الأخلاقية» الذي أدى إلى ما يبدو الآن تحريفا لرسالة الإنجيل، فإن تأثير ذلك على الهرمنيوطيقا وعلى البحث الإنجيلي بصفة عامة كان صحيا، فقد طور التأويل الإنجيلي تقنيات للتحليل اللغوي بلغت مستوى رفيعا للغاية، وألزم المفسرون أنفسهم أكثر من أي وقت مضى بمعرفة السياق التاريخي لروايات الإنجيل، أصبح على المفسر أن يكون قادرا على الحديث عن موضوعات الكتاب المقدس الآن وفقا لمقتضيات التغير الزمني وبالطريقة التي تلائم أشخاصا غيرهم مختلفين في الأحوال وظروف المعيشة، لقد أصبحت المهمة الحقيقية للتأويل مهمة تاريخية.
مع هذه التطورات والمستجدات أصبحت مناهج تأويل الكتاب المقدس مرادفة جوهريا لنظرية دنيوية في التأويل - أي فقه اللغة الكلاسيكي - ومنذ عصر التنوير حتى العصر الحاضر أصبحت مناهج البحث في الكتاب المقدس متصلة بفقه اللغة ومرتبطة به بعرى لا تنفصم، وهكذا حل مصطلح «هرمنيوطيقا الكتاب المقدس» محل «الهرمنيوطيقا» في الإشارة إلى نظرية تفسير النص المقدس، أما «الهرمنيوطيقا» حين تقال مطلقة غير مقيدة فكانت مرادفة تقريبا للمنهج الفقهي اللغوي، وصفوة القول أن تصور الهرمنيوطيقا بوصفها إنجيلية تحديدا قد تحول تدريجيا إلى الهرمنيوطيقا بوصفها القواعد العامة للتفسير الفيلولوجي (الفقهي اللغوي) شاملة الكتاب المقدس كموضوع واحد بين موضوعات أخرى يمكن أن تظلها هذه القواعد. (3) الهرمنيوطيقا بوصفها علم الفهم اللغوي
يعزى إلى أشلايرماخر
Schleirmacher (1768-1834م) أنه أعاد تصور الهرمنيوطيقا على أنها «علم» الفهم أو «فن» الفهم، يتضمن مثل هذا المفهوم نقدا جذريا لوجهة النظر الفيلولوجية (الفقهية اللغوية)؛ لأنه يسعى إلى تجاوز مفهوم الهرمنيوطيقا على أنها مجموع قواعد وجعلها مترابطة نسقيا، أي جعلها علما يصف الشروط اللازمة للفهم في أي حوار كان، كانت ثمرة هذا السعي لا مجرد هرمنيوطيقا فيلولوجية بل «هرمنيوطيقا عامة» يمكن لمبادئها أن تقدم أساسا لتأويل النصوص بجميع أنواعها.
يعد مفهوم «الهرمنيوطيقا العامة» معلما على الطريق وأذانا ببداية الهرمنيوطيقا غير المتخصصة، ولأول مرة يتم تعريف الهرمنيوطيقا على أنها دراسة الفهم ذاته، ولعل من الجائز أن نقول إن الهرمنيوطيقا الخالصة هنا تنحدر من أبويها التاريخيين: إنها سليلة التفسير الإنجيلي وفقه اللغة الكلاسيكي. (4) الهرمنيوطيقا بوصفها الأساس المنهجي للعلوم الإنسانية
كان فيلهلم دلتاي
W. Dilthey (1833-1911م) كاتب سيرة شلايرماخر، واحدا من عظام الفكر الفلسفي في أواخر القرن التاسع عشر، رأى دلتاي في الهرمنيوطيقا ذلك المبحث المركزي الذي يمكن أن يقدم الأساس الذي تقوم عليه جميع العلوم الروحية (الإنسانية)
Geisteswissenschaften
أي جميع المباحث التي تنصب على فهم أفعال الإنسان وكتاباته وفنه.
لكي نؤول أي تعبير عظيم للحياة الإنسانية يلزمنا، في رأي دلتاي، فعل من الفهم التاريخي، وهي عملية تختلف جوهريا عن الفهم العلمي التكميمي للعالم الطبيعي، ذلك أن ما نقوم به في هذه العملية من الفهم التاريخي هو معرفة شخصية بما يعنيه كائن إنساني آخر، يكمن الفرق بين العلوم الطبيعية والعلوم الثقافية، في رأي دلتاي، في موضوع الدراسة من جهة وفي طريقة الدراسة أو منهجها من جهة أخرى، موضوع العلوم الطبيعية هو أشياء العالم بينما موضوع العلوم الثقافية هو الشخص الآخر أو الأشخاص الآخرون، أما الفارق في المنهج فقد أوجزه دلتاي في مقولتي: «التفسير»
Explanation . «الفهم»
Understanding .
تضطلع العلوم بتفسير الطبيعة بينما تنصرف الدراسات الإنسانية إلى فهم تعبيرات الحياة، العلوم الطبيعية تفسر موضوعها من خلال الروابط «السببية»