ومهما يكن من أمر، فإن هذه «الدلالة الإنسانية» يجب تأويلها للأذن الحديثة (المرحلة التفسيرية للتأويل)، وفي سبيل ذلك علينا أن نكون أكثر وضوحا حول ما نعنيه بأن شيئا ما هو ذو «دلالة»، إن التناول النقدي الأدبي الذي يجعل همه حصر الصور البلاغية بأصنافها المختلفة، أو التركيز على «الشكل» في العمل الأدبي، أو تحليل الموضوع الرئيسي داخل عمل ما أو بين عدة أعمال، إنما هو تناول يغفل مسألة «الدلالة»، فالتناول الذي يرى العمل كموضوع بمعزل عن الذوات المدركة هو تناول يتجنب آليا السؤال عما يشكل الدلالة الإنسانية للعمل، وكل نقد يغفل السؤال عن الدلالة الإنسانية للعمل ويصرف كل طاقته في تمرينات معقدة حول تحليل الصور البيانية أو الشكل أو الموضوع الرئيسي، لن يعدو أن يكون نشاطا كسولا لحلقة مغلقة من أساتذة الأدب أو تزجية فراغ لثلة مغتربة من الأدباء المتعطلين، إن تحليلهم وتشريحهم الدقيق ليفقد جدواه إذا «مات الأدب»؛ مات لأن مفسريه مأخوذون بمعرفة بنيته الخاصة ونشاطه المكتفي بذاته عن كل دلالة إنسانية نابضة حية، فالأدب أيضا يمكن أن «يموت صبرا» إذا طال حرمانه من الصلة الحقيقية الواضحة بالقارئ، هكذا يتبين أن أمام التأويل اللاهوتي والأدبي أحد خيارين: إما أن يكون متصلا بنا ودالا بالنسبة لنا اليوم وإما أن يذوي ويموت.
على أساتذة الأدب ومعلميه أن يكونوا خبراء في «الترجمة» أكثر مما هم خبراء في «التحليل»، ذلك أن مهمتهم هي أن يحولوا ما هو غريب وملغز وغير مألوف إلى شيء مفهوم، شيء «منا»، شيء «يتحدث لغتنا»، ليس معنى ذلك أن يحقنوا الأعمال القديمة بمقويات حديثة أو أن يلبسوا «تشوسر» رداء من الإنجليزية المعاصرة، إنما يعني أن يدركوا مشكلة تضارب الآفاق المختلفة وصراعها، وأن يتخذوا خطوات ملموسة لمواجهتها، لا أن يضربوا عنها صفحا وينصرفوا إلى ألعابهم التحليلية، ثمة «رؤية للعالم»
World View
قابعة في صميم القصيدة ومفترضة مسبقا في أسطرها وداخلة من ثم في فهمها وتقديرها، ولا بد للناقد من أن يستل هذه النظرة ويأخذها مأخذ الجد وألا ينصرف عنها باعتبارها من أغاليط النقد التاريخي البائد.
7
من الشروط الأساسية مثلا لفهم «الأوديسة» أن ندرك منذ البداية أن الأشياء الطبيعية، في «رؤية العالم» القابعة في الأوديسا، هي أشياء حية قاصدة مريدة، وأن العالم هو مدى من الأرض والماء بقدر ما يمكن للمرء أن يرى، وأن كل عملية طبيعية هي من فعل كائن خارق للطبيعة، وأن الآلهة هي مجموعة من سراة الكائنات فوق البشرية التي لها كل ما للبشر من مواطن ضعف وإن تكن تعمل وفقا لصيغة عليا من الدستور الخلقي الخاص بالبطل اليوناني. ليس قبل أن نلج إلى هذا العالم الغريب عن عالمنا، يمكننا أن نلتفت إلى ذلك الرجل الحول القلب، ملاعب الموت وغازل الحكايا التي كاد يخدع بها راعيته «أثينا»، ذلك الباحث النهم عن المعرفة المغامرة؛ أوديسيوس، لا بد أن يعلم كل محلل للنصوص أن هناك «حسا بالواقع» يتبطن كل نص وأن «حس الواقع» هذا هو مفتاح فهم النص، ومن ثم فإن حس الواقع وطريقة «الوجود-في-العالم» الممثلة في العمل ينبغي أن تكون في بؤرة اهتمام أي تأويل أدبي يريد أن يكون مجديا، وأن تكون الأساس لكل قراءة للعمل تريد أن تفهم دلالته الإنسانية، وبعبارة أخرى يمكننا القول بأن ميتافيزيقا العمل (تعريفه للواقع) وأنطولوجيا العمل (طبيعة الوجود-في-العالم) هما أمران أساسيان لأي تأويل يريد أن يجعل الفهم الحقيقي للعمل أمرا ممكنا.
8
الترجمة - إذن - تجعلنا على وعي بالتعارض القائم بين عالم فهمنا الخاص وبين عالم الفهم الذي يمضي فيه العمل، وإذا كان الحاجز اللغوي يبرز هذا التعارض ويجعل وجود هذين العالمين أكثر وضوحا، فإن وجودهما قائم في أي تأويل لعمل مكتوب بلغتنا نفسها، بل قائم، في حقيقة الأمر، في أي «حوار» أصيل وبخاصة إذا كان طرفا الحوار يفصلهما فاصل جغرافي، بل إننا في الأدب الإنجليزي لنجد فجوة المائة عام كافية لأن تخلق تحولا ما في اللغة بحيث يعيش كل من وردزورث وبوب وملتون وشكسبير وتشوسر في عالم تاريخي ولغوي مختلف.