ولنأخذ ترجمة الكتاب المقدس كمثال لمشكلات الترجمة بعامة، لقد انحدر إلينا الكتاب المقدس من عالم بعيد من حيث الزمان والمكان واللغة، عالم غريب ينبغي علينا أن نستجوبه (ويستجوبنا!) ينبغي على أفق فهمنا، بطريقة ما، أن يلتقي، ويلتحم، بأفق الفهم القائم في النص، فالتوسط هنا ليس مجرد توسط من خلال اللغة، بل من خلال التاريخ أيضا؛ إذ تفصلنا عن «العهد الجديد» فجوة زمنية من ألفي عام، وعلى «العهد الجديد » الآن أن يخاطبنا بكلمات من عالمنا، من وسيطنا الذي نرى به الأشياء، فكيف لنا أن نأمل في فهم أحداث جرت في سياق مختلف جذريا عن مجتمعنا المدني الحديث وما يعج به من صراعات دولية ووسائط اتصال وفضائيات وإنترنت وأسلحة ذرية وجرثومية ... إلخ؟ هل ينبغي علينا أن نحافظ على الأداء الحرفي للعهد الجديد، أو أن نعرض ما يمكن أن يناظره أو يكافئه في الأزمنة الحديثة؟ فإذا قال القديس بولس مثلا في إحدى رسائله «حيوا بعضكم بعضا بقبلة مقدسة» حيث كانت القبلة تحية مألوفة في ذلك الزمن، فهل ينبغي أن نترجمها في النسخة المعاصرة «حيوا بعضكم بعضا بمصافحة ودية بجمع اليدين»؟
غير أن هذا المثال يقدم مشكلة صغيرة بالقياس بالسؤال الأعمق عن الطريقة التي تختلف بها النظرة الكلية للعالم في زمن «العهد الجديد» عن النظرة العلمية الحديثة، هذه بالتحديد هي المسألة التي حاول اللاهوتي الألماني رودلف بلتمان
R. Bultman
أن يواجهها في مشروعه عن «نزع الطابع الأسطوري» في الكتاب المقدس،
Demythologizing
يشير بلتمان إلى أن رسالة الإنجيل تقوم في سياق التصور الكوزمولوجي للسماء من فوق والأرض في الوسط والعالم السفلي من تحت - أي عالم المستويات الثلاثة - ويذهب بلتمان، في حله لهذه المسألة، إلى أن رسالة «العهد الجديد» لا تعتمد على كوزمولوجيا العهد الجديد التي لا تشكل إلا السياق لرسالة عن الطاعة الشخصية والتحول إلى «إنسان جديد»، و«نزع الأسطورية» هو محاولة لفصل الرسالة الجوهرية عن الميثولوجيا الكوزمولوجية التي لا يمكن للإنسان الحديث أن يقبلها.
ولكن مهما تكن مزايا «نزع الأسطورية» كحل للمأزق التأويلي فإن المشروع نفسه يشير إلى مشكلة كبرى: كيف يتسنى لنا أن «نفهم» العهد الجديد؟ ما الذي نحاول أن نفهمه؟ إلى أي مدى ينبغي علينا أن ندخل في العالم التاريخي لفكر العهد الجديد وخبرته قبل أن يتسنى لنا أن نؤوله؟ هل بمكنتنا على الإطلاق أن نجد نظائر ومكافئات من أجل فهم العهد الجديد؟ أيكون من الجائز أن يتغير عالمنا خلال قرن من الزمن تغيرا هائلا بحيث لا يعود ممكنا لأحد أن يفهم العهد الجديد؟ إننا لنجد اليوم أن النشء الصغير في المجتمعات الحضرية يجد صعوبة أكثر مما نجد في فهم هوميروس؛ لأن المكونات البسيطة للحياة في زمن هومر (القوارب، الأحصنة، المحراث، الحراب، الفئوس، زقاق النبيذ ...) هي في أغلبها مفردات لم تعد ترى إلا في الكتب أو المتاحف، ليس معنى ذلك أن هومر سوف يبلى ويندثر وشيكا، بل إن الجهد اللازم لفهمه سيكون أكبر وأصعب كلما مضينا في ميكنة أسلوبنا في الحياة.
6
ومشكلة «نزع الطابع الأسطوري» ليست وقفا على اللاهوت، فهي قائمة، بشكل قد يقل إلحاحا ولكن لا يقل دلالة، في محاولة فهم أي عمل قديم عظيم: كيف نفهم مثلا أي مسرحية لسوفوكل ونحس لها أي معنى يخصنا إذا كانت آلهة الإغريق قد ماتت ولم تحل محلها وتقم بعملها علاقات بشرية بديلة، فنحن في زمن ماتت فيه الآلهة القديمة ولم يولد فيه الإله الجديد (العلاقات البشرية) بعد! أتكون المسرحية اليونانية نصبا لإله ميت أو مجموعة آلهة؟ أم تراها، على حد قول أحد النقاد عن «الفردوس المفقود» لملتون «نصبا لأفكار ميتة»؟ ما هي الطريقة التي ينبغي أن تترجم بها المسرحية الإغريقية إلى اللغة الحديثة؟ أو ما هي الطريقة التي ينبغي أن تفهم بها الألفاظ القديمة؟ كيف يمكن أن نحول دون أن تبدو الأعمال القديمة مجرد كوميديات للأخطاء؟ لعل الكثيرين من أساتذة الآداب القديمة كانوا في حقيقة الأمر «ينزعون الطابع الأسطوري» فيما كانوا يبررون أهمية العمل الأدبي لنا بالنظر إلى دلالته الإنسانية الدائمة التي لا تزول.