تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن فهم شاعر مثل «وردزورث» - على سبيل المثال - يتطلب جهدا من التخيل التاريخي ومن «الترجمة» لكي نطلع على عالم إنجلترا في زمنه، وهي على مشارف التصنيع (وإن تكن ريفية بعد في صميمها وجوهرها)، كذلك رؤية إيطاليا في زمن دانتي والولوج إلى عالمها في فهم «الكوميديا الإلهية»، فالأمر هنا ليس مجرد ترجمة لغوية (وإن كانت اللغة تنبئنا بالكثير)، إنه مسألة ترجمة تاريخية، وحتى مع أرقى ترجمة إنجليزية يمكن تصورها تبقى هناك مشكلة الفهم التي يتضمنها الالتقاء بأفق آخر مختلف من فهم الوجود الإنساني، وإذا كان «نزع الأسطورية» هو اعتراف أو إدراك لهذه المشكلة في مجال تأويل الإنجيل، فإنه، من حيث المبدأ، قائم في أي قراءة للوثائق التاريخية أو النصوص الأدبية، حتى لو لم يعمد هذا النوع إلى تجريد النص الأصلي من وقعه الدرامي المباشر، وصفوة القول أن استقصاء «نظرة العالم» المضمرة في اللغة نفسها ثم في استخدام اللغة في عمل أدبي هو تحد أساسي يواجه التأويل الأدبي.

والحق أن «الهرمنيوطيقا الحديثة» ستجد في الترجمة وفي نظرية الترجمة ذخرا كبيرا يفيدها في استكشاف «المشكلة التأويلية»، بل إن الهرمنيوطيقا في مراحلها التاريخية الأولى كانت دائما تشمل الترجمة اللغوية، سواء بوصفها تأويلا للفلسفة الكلاسيكية أو تأويلا للكتاب المقدس. إن ظاهرة الترجمة هي لب لباب الهرمنيوطيقا: في الترجمة يواجه المرء الموقف التأويلي الأساسي الخاص بتجميع معنى النص والتعامل بالوسائل النحوية والتاريخية وغيرها من أدوات فك رموز النص القديم، غير أن هذه الأدوات، كما قلنا آنفا، هي مجرد تجسيد أو تصريح بما هو متضمن في كل مواجهة لنص لغوي حتى في لغتنا ذاتها، فهناك دائما عالمان: عالم النص وعالم القارئ، وبالتالي فهناك حاجة دائما لهرمس لكي «يترجم» من أحد العالمين إلى الآخر.

وبعد، فلم يكن عبثا عرضنا المستفيض للأبعاد الثلاثة لمعنى الهرمنيوطيقا في الاستعمال القديم، فما تزال الدلالة الثرية للجذور اليونانية للفظة ترفد التعريفات الحديثة للهرمنيوطيقا، فتركز هذه التعريفات تارة على هذا الاتجاه وطورا على ذاك، وحسنا تفعل الهرمنيوطيقا حين تستلهم المعاني القديمة، وتعود مرارا وتكرارا إلى دلالة الاتجاهات الثلاثة لمعنى التأويل: التلاوة، والتفسير، والترجمة.

الفصل الثالث

| تعريفات حديثة للهرمنيوطيقا

ثمة تعريفات عدة مختلفة للهرمنيوطيقا كما تطورت في الأزمنة الحديثة، منذ البداية كانت الكلمة تشير إلى علم التأويل وبخاصة مبادئ التفسير النصي القويم، غير أن حقل الهرمنيوطيقا قد تم تأويله (بترتيب زمني تقريبا) إلى:

نظرية تفسير الكتاب المقدس.

ميثودولوجيا فقه اللغة العام.

علم كل فهم لغوي.

الأساس المنهجي للعلوم الإنسانية (الروحية)

Geisteswis-Senschaften .

فينومينولوجيا الوجود والفهم الوجودي.

أنساق التأويل (سواء الاستجماعي أو التحطيمي) التي يستخدمها الإنسان للوصول إلى المعنى القابع وراء الأساطير والرموز.

يعد كل من هذه التعريفات أكثر من مجرد مرحلة تاريخية، فكل تعريف - هنا - يشير إلى «لحظة» هامة من لحظات التأويل أو مدخل إلى مشكلات التأويل، وبوسعنا أن نطلق عليها، بغير قليل من التجوز والحذر الواجب: «التأويل الإنجيلي»، والفقهي اللغوي، والعلمي، والإنساني، والوجودي، والثقافي، على الترتيب، يمثل كل تعريف وجهة يمكن منها النظر إلى الهرمنيوطيقا، ويسلط الضوء على جانب أو أكثر من فعل التأويل، وبخاصة تأويل النصوص، والحق أن محتوى التأويل نفسه يعتريه التغير بتغير هذه الوجهة من النظر، وفيما يلي نعرض للخطوط العامة لهذه اللحظات الست، وهو عرض يبرهن على تغير التأويل بتغير الوجهة، ويمثل مقدمة تاريخية موجزة لتعريف الهرمنيوطيقا. (1) الهرمنيوطيقا بوصفها نظرية تفسير الكتاب المقدس

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٦