والسؤال عن المنهج هنا هو: كيف يظل التأويل فينومينولوجيا؟ يقول ريكور إن الفينومينولوجيا التأويلية هي فلسفة تأملية داخلة ضمن الإطار الأساسي لفينومينولوجيا هسرل، لقد رفض ريكور منذ البداية محاولة هسرل بناء فلسفة ذاتية التأسيس أي قائمة على ذاتها، إنه يرفض أي محاولة ديكارتية أو هسرلية لتأسيس المعرفة والنفس على الوعي المباشر والشفاف، فالحقيقة الأساسية الأولى، الكوجيتو، هي فارغة بقدر ما هي يقينية، «والنفس لا يمكن أن تفهم إلا عن طريق التفافي يمر بالأعمال (الفنية إلخ) والأفعال والأدب والنظم والمؤسسات، وكل فهم ذاتي يتطلب تأويلا لنصوص أو بناءات شبيهة بالنص.» بهذه الطريقة تحرر الفينومينولوجيا التأويلية نفسها من المثالية التي ظن هسرل أنها أساسية للفينومينولوجيا.
ولكن بأية طريقة تظل الهرمنيوطيقا نوعا من الفينومينولوجيا؟ إن الفينومينولوجيا، أولا وقبل كل شيء: هي التي لم تثبت في رأي ريكور على مبدئها الأساسي وهو «القصدية»
Intentionality : أي إن معنى الوعي يقع خارج الوعي، فالوعي خارج نفسه ... موجه نحو معنى، هذا هو ما يتضمنه الكشف المحوري للفينومينولوجيا، ثانيا: إن الافتراض الفينومينولوجي الأساسي للهرمنيوطيقا هو أن كل سؤال عن أي نوع من الوجود هو سؤال عن معنى هذا الوجود، يترتب على ذلك أن الفينومينولوجيا التأويلية عبارة عن استخدام جميع المناهج التأويلية للهرمنيوطيقا من أجل تحقيق الغاية الأساسية للفينومينولوجيا.
وبعبارة أخرى يرى ريكور أن الهرمنيوطيقا امتداد للفينومينولوجيا، فكل من الفينومينولوجيا والهرمنيوطيقا مكرسان لفهم النفس، وكلاهما منهج تأملي يبدأ وسط الأشياء، باعتبار كل من العالم وخبرتنا البينشخصية كمعطيات، غير أن ريكور يرفض التفسير المثالي لهسرل والذي يعتمد على الفهم الحدسي والمباشر لماهيات الظواهر الذهنية، وهو ينكر أيضا ذلك الهدف الذي ينشده هسرل وهو تأسيس فينومينولوجيا علمية يمكنها تقديم الأساس التصوري النهائي لكل الفكر، فليس هناك، في رأي ريكور، نقطة بداية مطلقة وليس هناك أسس تدعم ذاتها على الإطلاق، إن اهتمامه الدائم بفهم الفعل البشري والمعاناة البشرية يتطلب التفافا طويلا خلال تأويل الرموز والنصوص والآثار والأعمال الفنية والأدبية والمؤسسات والنظم ... إلخ التي تتوسط فهمنا للنفس وعلاقتها بالآخرين، أما الفينومينولوجيا فهي التي تفتح مجال الأشياء ذات المعنى، وأما الهرمنيوطيقا (وليس الرد الماهوي أو الترانسندنتالي) فهي المنهج السديد والملائم. (1) «الاستعارة الحية» و«الزمان والسرد»
امتد المنهج الهرمنيوطيقي عند ريكور من تأويل النصوص إلى إبداع المعنى الشعري والقصصي في كتابيه «الاستعارة الحية»
La Metaphore Vive (1975م) و«الزمان والسرد»
Temps et Recit (مجلدات ثلاثة: 1983م، 1984م، 1985م) وقد اعتبرهما ريكور توءمين رغم الفاصل الزمني الكبير الذي يفصل بينهما، ذلك أن كليهما يضطلع بالتجديد السيمانتي (الدلالي).
تتمثل الدعوى الرئيسية في الكتاب الأول «الاستعارة الحية» في أن تدمير المعنى الحرفي في الاستعارة يتيح لمعنى جديد أن يظهر، وبالطريقة نفسها تتبدل الإشارة
Reference
في الجملة الحرفية وتحل محلها إشارة ثانية هي تلك التي تحملها الاستعارة، وقد يبدو أن الوظيفة الإبداعية والشعرية للاستعارة تقتصر على تحطيم وظيفتها الإشارية، غير أن هذا في الظاهر فقط، يقول ريكور إنها بالأحرى تخلق إشارة جديدة تتيح لنا أن نصف العالم (أو نعيد وصفه بمعنى أصح) أو جزءا من العالم كان ممتنعا على الوصف المباشر أو الحرفي. إن اللغة الشعرية تدفع عالما جديدا إلى الظهور، ذلك هو عالم العمل الشعري، هذا العالم الشعري يندمج بالعالم الحياتي وينصهر بعالم الفعل اليومي ويمثل بالنسبة لي عالما ممكنا، عالما بوسعي أن أعيش فيه وأعمل وأعاني، وباختصار، يتيح لنا الإبداع الشعري للاستعارة أن نقول شيئا ما جديدا عن عالم خبرتنا المعاشة.