prima Facie .
14
هكذا تقف الفرويدية ضد الأنا الجوهري الديكارتي التي تسيطر على كامل الشخصية وتراقبها، إن العالم النفسي مليء بالسراب والأوهام، ومن ثم فالتحليل النفسي يخضع الذات ل «تأويل تاريخي» يدرجها في مشروع «أركيولوجي» ينشد تفسير الحاضر بالرجوع إلى المصدر (الماضي). ليس هناك «كوجيتو» أصلي يضع نفسه في حكم يقيني ولا ذات تمثل «موجودا» يتمتع بالدوام ومعطى مباشرا ونهائيا.
15
إن الذات تتكون تدريجيا وتبرز من خلال التاريخ النفسي للفرد في علاقة «تضايف»
Correlation
مع الغيرية ومع الواقع الموضوعي، فالذات تتهيكل وتجدد هيكلتها دوما من خلال لحظات جدلية يتمثل «نسيجها الخلفي» في الممنوع، ولا يمكن للكائن أن يصبح ذاتا بدون أن يجابه تجارب وصراعات مختلفة وأن يرتبط بقوى غريبة وحتى معادية له، مع ما ينجم عن ذلك من كبت يمثل النظام المحتوم لنفسية «حكم عليها» بالتبعية تجاه الطفولة، تجاه الماضي، أي ما هو حتم لازب غير قابل للانقراض، وجملة هذه الاعتبارات من شأنها أن تفرض حدودا على كل محاولة تميل إلى إضفاء طابع صارم على منهج التأويل، إن التجربة التحليلية تحدث في حقل الكلام والعلامات، وليس في حقل الملاحظة كسائر العلوم.
فالتأويل ينتقل من معنى إلى معنى آخر، من الدال إلى شيء آخر يريد أن يكون المدلول الأصلي، وبالرغم من أن «الأعراض العصابية، مثلها مثل زلات القلم واللسان والأحلام، لها معنى وترتبط ارتباطا وثيقا بحياة المريض الحميمة»، فإن ذلك لا يسمح بالادعاء بأن هذا الدال يطابقه مدلول واحد مطلق؛ إذ إن «ظروف الحياة المرضية لا بد أن تكون عديدة ومتنوعة أكثر مما افترضناه» (فرويد: مدخل إلى التحليل النفسي).
فالمحلل ليس السيد المطلق ولا حافظ المعنى الوحيد للنزاعات النفسية، وليس هناك معنى ظاهر وإلى الوراء في الماضي البعيد معنى خفي يدركه نهائيا تحليل ذكي: «إن المدلول يشير إلى اتجاه بدون حدود وإلى طريق غير خطي: المعنى الظاهر والمعنى الباطن قطبان لمعنى واحد لا يمكن استحضاره ولا إدراكه كمجرد اتجاه لمعنى يخص تاريخا فرديا تتحقق جدليته الكاشفة والمكونة من خلال ظروف المعالجة التحليلية.»
إن الاعتبارات السابقة الذكر تجعل من «التعديل الداخلي للفلسفة التأملية» أمرا ضروريا، بما أن الذاتية تعيش تجربة التبعية تجاه وجود لم تضعه يجردها من ملكية أصل المعنى، إلا أن التأمل الذي يلغي ذاته كتأمل هو كذلك نتاج للتأمل، التأمل النقدي والتأويلي، التأمل الذي يقتضي التوسط
Mediation ، كما أن فهم الذات لا يتم إلا بالمرور عبر الآخر.
16
الفصل الثالث عشر
| بول ريكور
هرمنيوطيقا الارتياب
حتى لا تعود إسقاطاتنا الذاتية تخاطبنا من خارج على أنها آخر.
في كتابه «رمزية الشر»
Symbolism of Evil
يذهب بول ريكور
Paul Ricoeur (1913م) إلى أن الشر لا يوصف حرفيا على الإطلاق، وإنما يتحدث عنه دائما على نحو رمزي أو استعاري فيقال مثلا: وصمة، وزر، ضلال (زيغ)، غواية، انحراف ... إلخ، يبين ريكور أهمية الرموز، والمعنى المزدوج للألفاظ، ومناهج تأويلها، ويقول إن أساطير الخلق والتكوين وأصل العالم هي تفسيرات من الدرجة الأولى لمنشأ الشر في العالم،
1
وقد أفضى به اهتمامه برمزية الشر إلى الاهتمام باللغة الرمزية وبالتأويل بصفة عامة، وقد وسع ريكور نطاق الرموز لتشمل رموز الحلم والرموز الثقافية، ومد نطاق التأويل ليشمل جميع تقنيات التحليل النفسي الفرويدي.
وفي كتابه «عن التأويل: مقالات عن فرويد» (1965م) يقول ريكور إن اللغة هي ملتقى جميع المداخل الفلسفية، ويبدي اهتماما عاما «بالفلسفة التحليلية» و«فلسفة اللغة العادية»، لقد كان شغل فرويد الشاغل من وراء أعماله هو وضع «سيمانطيقا» (علم دلالة) للرغبة: كيف تكشف الرغبات عن نفسها في الكلام؟ كيف يتم التعبير عنها؟ وكيف يفشل الكلام في التعبير عنها؟ هذه الصلة بين الرغبة والمعنى هي ما يمنح التحليل النفسي مكانا بارزا في أية فلسفة للغة، وخلال هذا الكتاب يؤسس فرويد جدلا بين اللغة الرمزية التي هي تحريف أو قناع أو تعزيز للوهم وبين اللغة الرمزية التي يمكن أن تكون وحيا للقدسي أو «المقدس».