وفي كتابه ذي الأجزاء الثلاثة «الزمان والسرد»، والذي يعد من أهم الأسفار التي دبجت في القرن العشرين، يبين ريكور بصبر ودأب كيف يخلق السرد معنى جديدا؛ إذ يوالف بين عناصر متباينة: الأغراض، المقاصد، الأسباب، المصادفات، الرغبات ... إلخ، وينسج وقائع تبدو غير متصلة ويسلكها في حكاية وفي نظام جديد من الانسجام والترابط، وهناك وجه شبه بين الحبكة في القصة وبين العملية الاستعارية من حيث إن كليهما يخلق كلا جديدا، فالحبكة تضطلع بدمج الأحداث المتباعدة والمصادفات العارضة والأفعال الإنسانية بخاصة، وتمزجها جميعا في قصة مكتملة.
وترتبط خبرة الزمن بالسرد ارتباطا وثيقا لا ينفصم، فكل سرد هو زماني في جوهره وصميمه، ويمثل المدخل ذا الامتياز لخبرتنا الزمانية المشوشة والفجة والبكماء، والفكرة المركزية في هذه الثلاثية كلها هي أن الزمن يصبح زمنا إنسانيا بقدر ما ينتظم في روايات، والروايات تتحلى بالمعنى بقدر ما تمثل وجودنا الزمني.
يبدأ ريكور تحليله للزمن والسرد - والاختبار الطويل لفكرته المركزية - بعرض دقيق لصراع القديس أوغسطين مع مفهوم الزمان، وتفسير أرسطو للحبكة الدرامية وكيف تخلف من العناصر المتباعدة كلا ذا معنى، ومن الفوضى نظاما، ومن العناصر المشتتة قصة مترابطة، وكيف يتحد الزمن والسرد معا في ال
Mimesis
Praxeos
أو المحاكاة الخلاقة للفعل البشري، وتتعلق المحاكاة بكل من العالم المتخيل والعالم الحقيقي، إنها في القلب من الروايات التاريخية والروايات الخيالية.
وفي بقية هذا العمل الجليل يقوم ريكور باختبار أو تحقق دءوب وطويل من فرضيته، خلال فحص دقيق لإبستمولوجيا التاريخ والأدب، ويذهب إلى أن التاريخ إذا قطع روابطه بتلك الملكة الأساسية لدينا، ملكة متابعة قصة، فهو يفقد عندئذ طابعه المميز ويختزل إلى علم من بين غيره من العلوم الإنسانية. وفي الجزء الثاني من «الزمان والسرد» يعرض ريكور لآراء عدد من مفكري نظرية الأدب المعاصرين حول وظيفة السرد ويلقي مزيدا من الضوء على فرضيته من خلال تحليل دقيق لثلاث روايات شهيرة تسودها جميعا فكرة الزمن: «السيدة دالواي» لفرجينيا ولف، و«جبل الذهب» لتوماس مان، و«تذكر أشياء مضت» لمارسيل بروست.
أما الجزء الثالث من الزمان والسرد فيقوم فيه ريكور بمراجعة إشكاليات الزمان وجميع المحاولات التي بذلت لحلها في تاريخ الفلسفة، ويعرض للخلافات بين كانت وهسرل، وبين هيدجر والميتافيزيقا حول طبيعة الزمان، ويدرس العلاقة بين خبرة الزمان وبين الزمان الطبيعي، ويدرس حقيقة الماضي التاريخي، ويختم دراسته بشرح لهرمنيوطيقا الزمن التاريخي، ويخلص إلى أن جميع المحاولات الفلسفية قد باءت بالفشل، وأن الروايات الزمانية وحدها هي التي تمنحنا منفذا تأمليا لخبرة الزمن.
2 (2) هرمنيوطيقا الارتياب عند بول ريكور
المعادلة الصعبة: هرمنيوطيقا «الانفتاح النقدي»، «الشك والرجاء».
الهرمنيوطيقا علم وفن معا في آن، وهذه العبارة ، ببساطتها الخادعة، هي سبب الجدل المحتدم في الزمن الحديث في مجال الهرمنيوطيقا، ذلك المبحث الذي بدأه شلايرماخر (1768-1834م) بمحاولته انتزاع المعنى من خلال فهم عقل المؤلف، والذي اكتسب دفعة كبرى مع جادامر ودعوته إلى قيام حوار بين أفقي النص والقارئ، وانتهى إلى هرمنيوطيقا اليوم التي ترتكز على القارئ وتسند إليه دورا متعاظم الأهمية في العملية التأويلية.
لم يقنع بول ريكور، رغم أنه يعمل داخل إطار «هرمنيوطيقا القارئ»، إن صح هذا التعبير، بالذاتية الصميمة المرتبطة بهذه الهرمنيوطيقا، فأراد أن يتخذ المسار الضيق والخط الرفيع الممدود بين دعوة الموضوعية (المرتكزة على النص نفسه) وبين البقاء في حالة «انفتاح» معين على ما «يعتمل في باطن النص ولعله كان قمينا أن يقوله»، تمثل هرمنيوطيقا الارتياب عند ريكور محاولته للإبقاء على كل من الطابع العلمي والطابع الفني للتأويل دون منح أي منهما منزلة مطلقة، ذهب ريكور إلى أن حيوية الهرمنيوطيقا يكفلها هذا الدافع المزدوج: الإصغاء والشك، الإذعان والتمرد، يقول ثيسلتون موجزا ماهية الهرمنيوطيقا عند ريكور: «الأول يتعلق بمهمة «إزالة الأصنام»، أي أن نصبح على وعي نقدي بأنفسنا عندما نسقط رغباتنا وبناءاتنا الذهنية على النصوص، وبهذا الوعي النقدي لا تعود إسقاطاتنا الذاتية تخاطبنا من خارج أنفسنا على أنها «آخر»، والثاني يتعلق بالحاجة إلى الإصغاء بانفتاح إلى الرمز وإلى السرد، وبذلك نتيح لأحداث خلاقة أن تحدث «أمام النص» وتمارس تأثيرها علينا.»