تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هابرماس، في حقيقة الأمر، يبعث «الحوار» الجادامري ويحييه بعد أن أثخنه سابقا وأصماه، وذلك بحقنه بالبراجماطيقا الجديدة التي تطهر «الأفق الجادامري»، و«اللغة» الجادامرية أيضا، من العدوى الأيديولوجية ومن «إرادة القوة» اللاشعورية، إن هابرماس «جادامري» بمعنى ما! من حيث إنه يؤمن بالحوار كطريق نهائي إلى العقلانية، لقد سلك الحوار الجادامري في أحكام موقف كلامي مثالي، حيث يمنح كل أطراف الحوار فرصة متكافئة للمشاركة في حوار عادل، فيقررون أو يدافعون أو يمحصون دعوى الصواب في أي فعل كلامي، وحيث التفاعل المتبادل غير مقيد ولا مكبوح بالتراتب الاجتماعي والمعايير الملزمة لطرف واحد، وحيث أطراف التواصل مبرأة من أي برنامج استراتيجي.

تذييل

توبة اللفظ (على ذكر تأويلية هابرماس)

ها قد جئتك أيها الشاعر،

مثقلا بجرائمي، غاصا بذنوبي،

لأتداعى على قدميك،

وأتوب على يديك،

وأعترف:

كنت طاغيا مستبدا،

ليس في الوجود من يفوقني استبدادا وطغيانا،

يظن الإنسان أنه يصنعني ويستخدمني.

الحق أقول لك، أنا الذي أسخره وأسيره،

وأقوده كالمنوم.

ولا أسمح أن يرى من العالم إلا ما أريد له أن يرى. •••

ولأني كهل غروبي!

فظلالي دائما أطول مني،

وهي أرق مني وأدق،

وأكثر نفاذا وبثا! •••

كم أشعلت من الفتن والحروب،

قابعا في غبرة الميدان لا يراني أحد،

متلمظا بنزيف الأشلاء،

ثملا بشميم الدم،

ضاحكا من حماقة الخصوم، •••

دعني أعترف:

كنت دائما مع القديم،

وجنديا من أشرس جنوده، (فأنا كما قلت لك: كهل خريفي غروبي!)

ومهما صال الجديد وجال،

وانتشى واغتر،

فما دمت قائما، فالقديم قائم في بتمامه؛

فأنا خط الرجعة، وجسر المتاب،

وما دمت أتجول بحرية،

وأتقلب على الألسنة كما أنا؛

فالقديم حي يرزق،

يجلس بعد، ويملك ويحكم، •••

دعني أعترف:

كنت شرطيا جافيا،

أسحب الجدة من الجديد، والفرادة من الفريد،

وأسدل على الجميع ليل الرواسم.

كنت أطمس الغريب بالإلف،

وأشدخ السؤال بالجواب،

وأقتل الشيء باسمه!

وكما تخنق الأقدام بأحذية صينية،

كنت أخنق الرؤى بالنموذج،

والبدائع بالزي.

كان بمقدوري دائما أن أدبر للزائف سببا،

وأسك للباطل هوية،

وأمنح الوهمي خاتم النسر! •••

دعني أعترف:

لم أكن أتنقل قط إلا حاملا خنجري تحت العباءة.

ترافقني ظلالي الطويلة،

وتلازمني حاشية هائلة:

من ضلالات أفكار،

ونشيج مواجد،

وصليل معارك،

وأنين جموع،

ومصالح طبقة.

لا ... لقد طفحت ذنوبي، وطال تجبري،

وصرت وحشا جسيما باهظ الحضور.

15

الفصل الثاني عشر

| مدرسة الارتياب

إن المكر سوف يواجه بمكر مضاعف. (1) يقين الكوجيتو (ديكارت) ... قلت إنني شككت في كل شيء على الإطلاق ... في شهادة الحواس وأحكام العقل ووجود العالم، غير أني سرعان ما لاحظت أنه بينما كنت أريد أن أعتقد أن كل شيء باطل، فقد كان حتما وبالضرورة أن أكون أنا صاحب هذا التفكير شيئا من الأشياء ... نعم إن شيئا واحدا يظل بمنجاة من الشك، وهو الفكر، أنا واثق من أنني أفكر، وحتى لو شككت في أنني أفكر فهذا الشك يقتضي أن أفكر أيضا، وأنا حين أشك، وحين أفكر، وحتى حين أخطئ في تفكيري لا بد أن أكون موجودا.

أنا أفكر فأنا إذن موجود

Cogito Ergo Sum .

ها أنا ذا قد أزحت التراب والحصى والأنقاض، فخلصت إلى الصخرة الثابتة التي أقيم عليها صرح الفلسفة التي أتحراها، أنا أفكر فأنا إذن موجود ... قضية صحيحة بالضرورة كلما نطقت بها وكلما تصورتها في ذهني، وهي من الثبات والوثوق بحيث تعجز كل حجج الشكاك عن زعزعتها ، ولو استطاع الروح الخبيث أن يضلني في كل شيء فلن يستطيع أن يمنعني من اليقين أن ذاتي موجودة حين أفكر.

1 ... غير أن الكوجيتو الذي يعطيني وجودي بأوثق الحدوس يجعلني من جهة أخرى في عزلة تامة هي عزلة فكري الخاص، فلا أتبين سبيلا للخروج منها ولا أبلغ أي وجود من الموجودات خارج نفسي؛ لذا سأبذل جهدي للإفلات من عزلة لو طالت لجعلت المعرفة البشرية كلها وهما وحلما، سألتمس للفكر سندا في الوجود الواقع، سأثبت وجود الله بالفكر ذاته ليكون ضامنا لمعرفتي الواضحة المتميزة عن العالم الخارجي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٢٨