تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Expressive

في التواصل.

الفعل الكلامي التنظيمي

Regulative :

يسوده المكون الإنجازي

Illocutionary ، ويشير إلى عالم بوبر الثالث (البينذاتي/الاجتماعي/الموضوعي)، ويؤدي وظيفة تأسيس علاقات اجتماعية مشروعة، ويعتمد على الحالة التفاعلية في التواصل.

هكذا تبين هذه الأفعال الكلامية الثلاثة وجود فروق جوهرية في اللغة المستخدمة في سياق كل من عوامل بوبر الثلاثة؛ إذ تبرز الفروق في البنية والوظيفة والحالة، على هذه الفروق الجوهرية الواضحة تترتب نتيجة بالغة الأهمية وتشكل محور البراجماطيقا العامة عند هابرماس: وهي أن تحليل «الصواب»

Validity

ينبغي أن يفرد ثلاثة سبل منفصلة تحترم الاختلافات بين الأفعال الكلامية الثلاثة وتحفظ الفروق بينها ولا تخلط الأمور خلطا يفتح المجال للزيف والتشييء أن يتسلل إلى نسيج اللغة، بذلك يتم تحليل الأفعال الكلامية الخبرية

Constative

من حيث فعلها الإشاري والتنبئي، ويتم تحليل الأفعال الكلامية الإشهارية

Avowel (أو التمثيلية) من حيث مقصدها ونيتها ودخيلتها، ويتم تحليل الأفعال الكلامية التنظيمي

Regulative

من حيث طريقتها في تأسيس علاقات بينشخصية.

14

وبينما تقنع نظرية أوستن في تحليل «صواب» أفعال الكلام بتغطية بنيتها المؤسسية المحيطة وعلاقات القوة الشاملة، فإن هابرماس يصر على أن تحليل «صواب» الأفعال الكلامية يمكن أن يتم بمعزل عن ظروفها السياقية، ولا يتسنى ذلك إلا بتحديد «معيار صواب» خاص بكل صنف من أفعال الكلام الثلاثة: «فالأفعال الكلامية الخبرية

Constative »: معيار صوابها الخاص هو «الصدق»

Truth (بمعنى صدق القضية ومطابقة ما في العبارة لما هو في العالم الخارجي). «والأفعال الكلامية الإشهارية

Avowal »: معيار صدقها هو «الإخلاص والأمانة وصدق النية»

Truthfulness or Sincerity . «والأفعال الكلامية التنظيمية

Regulative »: معيار صوابها «الملاءمة أو السداد»

Appropriateness or Rightness .

وجملة القول أن البراجماطيقا العامة بدلا من أن تقيد نفسها بمعيار واحد أو «مونولوجي» فإنها تقدم معايير مختلفة لتقييم أفعال الكلام وفقا لطبيعة كل فعل وتكوينه الخاص من حيث الإشارة والبنية والوظيفة والحالة: فتقيم الأفعال الخبرية

Constative

أساسا بما إذا كانت «القضية»

Proposition

فيها صادقة أم كاذبة، وتقيم أفعال الإشهار

Avowals

أساسا بما إذا كانت تتحلى بسلامة القصد وصدق النية ونقاء السريرة أم لا تتحلى بذلك، وتقيم الأفعال التنظيمية

Regulative

أساسا بالنظر فيما إذا كانت طريقتها في تأسيس علاقات بينشخصية هي طريقة ملائمة وقويمة وسديدة أم لا.

وجدير بالتنويه أن تقييم أفعال الكلام بمعيار أساسي مقيض لها وفقا للمكون البنائي السائد فيه لا يعني بحال إغفال المكونات الأخرى وإغفال تقييمها بمعاييرها المقابلة، وما كان لنا أن نغفل أن كل فعل كلامي له مكون أساسي غالب وله أيضا مكونان آخران غير سائدين ينبغي أن ينالا قسطهما من التقييم المناسب وبالمعيار الخاص بكل منهما، وبعبارة أخرى يمكننا القول بأن كل فعل من أفعال الكلام يرفع دعوى صواب واحدة بشكل مباشر ويرفع اثنتين أخريين بشكل غير مباشر، وعلينا من ثم أن نحلل الفعل الكلامي تحليلا أوليا بواسطة معيار صواب أساسي مناسب للمكون السائد، وأن نحلله تحليلا ثانويا بمعيارين آخرين مناسبين لمكونيه الثانويين، أي إن البراجماطيقا العامة تسلم بأن كل فعل كلامي يمكن أن يقيم، وينبغي أن يقيم، من ثلاثة منظورات مختلفة، ملقية في هذه العملية شبكة دقيقة منسوجة نظريا بحيث تتدارك وتصفي أي مقاصد شريرة للفعل الاستراتيجي. (4-3) البراجماطيقا العامة والبرنامج النقدي لهابرماس

للسائل أن يسأل بعد هذا المسير المرهق في درب البراجماطيقا العامة: ما الصلة بين هذه النظرية وبين قضية هابرماس الأساسية وهي نقد الأيديولوجية؟ تتصل البراجماطيقا العامة في حقيقة الأمر بنقد الأيديولوجية صلة وثيقة، وذلك بطريقتين: «فالبراجماطيقا العامة»، أولا: تقدم نفسها كمعيار أو مقياس ينبغي أن تعرض عليه جميع الأفعال الاستراتيجية حتى نكشف النقاب عن برنامجها الشعوري أو اللاشعوري، وعن إرادة القوة التي تضمرها وتكنها، وبإخضاع كل فعل استراتيجي لتحليل ثلاثي (للصدق، والإخلاص، والملاءمة) يمكن للمؤول النقدي بسهولة أن يعري الفعل ويكشف أنه فعل استراتيجي، ويحدد الطريقة التي يرتكب بها هذا الفعل تشويها منظما لعملية التواصل، فإذا ما أخفق الفعل الكلامي الإنجازي في أي واحدة من هذه الاختبارات الثلاثة يكون على الفور موضع شك بأنه محمل بعناصر استراتيجية وتحريفات أيديولوجية. بمقدور البراجماطيقا العامة في رأي هابرماس أن تتعقب أخفى العناصر الأيديولوجية التي تنسلك في نسيج اللغة، هذه هي الهرمنيوطيقا النقدية عند هابرماس بالمعنى الدقيق للكلمة، إنها المنهج الذي طور هرمنيوطيقا الارتياب التي تعود لأساتذتها الكبار ماركس ونيتشه وفرويد، وشحذ أدواتها وأرهفها تكنيكيا ومنطقيا ولغويا. «والبرجماطيقا العامة» ثانيا تنأى عن العالم المتشائم لأساتذة الارتياب الثلاثة، وتتجه إلى عالم أكثر ألقا حيث يمكن للعقلانية أن تتولى زمام الأمور، والبراجماطيقا العامة تقدم مثالا يمكن للفعل التواصلي أن يسعى إليه ومجموعة أدوات يعمل بها، وإذا كانت هرمنيوطيقا هابرماس النقدية ارتيابية وتشاؤمية، فإن نظريته في الفعل التواصلي شديدة التفاؤل بل أقرب إلى أن تكون «يوتوبية»، بحيث جعلت فكرته غير الانهزامية عن العقلانية فكرة بارزة واضحة في العالم بعد الحداثي الذي ينظر داخله.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٢٧