تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ديكارت، مقال في المنهج

هكذا أعمل ديكارت الشك في كل شيء، وفاته أن يشك في الوعي نفسه!

وها هنا بالتحديد تنبري مدرسة الارتياب لكي تعلن زيف الوعي نفسه، وتشهر بحيل الوعي المباشر وتزيل عنها القناع، هكذا يتعين على أية نظرية عامة في التأويل أن تفسر التعارض بين صنفين من التأويل: التأويل كتذكر للمعنى أو استعادة له، والتأويل كتعقب لأوهام الوعي وأكاذيبه وردها إلى أصولها، ويتعين على نظرية التأويل فضلا عن ذلك أن تقسم كل مدرسة من هاتين المدرستين الكبريين إلى «نظريات» مختلفة بعضها عن بعض بل وغريبة بعضها عن بعض (وهو أمر يصدق من غير شك على مدرسة الارتياب أكثر مما يصدق على مدرسة التذكر)، ثمة ثلاثة أساتذة يبسطون سلطانهم على مدرسة الارتياب، وإن بدوا في الظاهر مختلفين يلغي أحدهم الآخر، وهم: ماركس ونيتشه وفرويد.

2

إذا رجعنا إلى المقصد المشترك الذي اتخذه كل واحد من هؤلاء الثلاثة لوجدنا فيه الاعتزام على النظر إلى الوعي بأسره على أنه وعي «زائف» بالدرجة الأساس، هكذا أعادوا، كل بطريقته الخاصة، طرح مشكلة الشك الديكارتي، لنقلها إلى صميم الحصن الديكارتي نفسه. إن الفيلسوف الذي تدرب في مدرسة ديكارت يعرف أن الأشياء محل شك، وأن الأشياء ليست في حقيقتها على ما تبدو عليه، إلا أنه لا يشك في أن الوعي هو على ما يبدو لنفسه، ففي الوعي هناك توافق بين المعنى والوعي بهذا المعنى، ومنذ ماركس ونيتشه وفرويد أصبح هذا أيضا محل شك، وبعد الشك في الأشياء بدأنا في الشك في الوعي نفسه.

غير أن علينا ألا نسيء فهم هؤلاء الثلاثة الكبار وندرجهم في «مذهب الشك»

Skepticism ، إنهم بالتأكيد ثلاثة هادمين عظام، ولكن هذا بحد ذاته ينبغي ألا يضللنا، فالهدم كما يقول هيدجر في «الوجود والزمان» هو لحظة قائمة في كل تأسيس جديد، لقد كان الثلاثة يطهرون الأفق من أجل عالم أكثر أصالة، من أجل بسط سلطان جديد للحقيقة، لا بواسطة النقد «الهادم» وحده، بل بابتكار فن «للتأويل»، لقد تغلب ديكارت على شكه في الأشياء ببينة الوعي، وتغلب هؤلاء على شكهم في الوعي بطرح تفسير للمعنى، وبدءا من هؤلاء صار الفهم هرمنيوطيقا، ولم يعد البحث عن المعنى هو الإفصاح عن الوعي بالمعنى، بل فك شفرة تعبيراته.

3

إن «الكوجيتو»، أي الوعي المباشر، عاجز عن التوصل إلى فهم ما ينتجه؛ ولذا ينبغي عليه اللجوء إلى خطاب آخر لتوضيح إنتاجاته، وهي إنتاجات تكتسي معنى كامنا غير مباشر ينبغي استحضاره ورفعه من مستوى الباطن إلى مستوى الظاهر، تلك هي مهمة التأويل المتمثلة في فك الآليات التي تتحكم في الشعور وتجعله غافلا عن ذاته، وهي بذلك تسمح بتقدير درجة «عبوديته» وتفسير انحسار حقله المعرفي.

ورغم اختلاف الثلاثة الكبار في المناهج المستخدمة وتعثر كل منهم فيما تعثر فيه من موانع وعقبات، فليس هذا بالشيء الجوهري، وإنما الشيء الجوهري هو أن كلا منهم قد ابتكر، بما أتيح له من وسائل، ومع تحيزات عصره وضدها، علما غير مباشر للمعنى غير قابل للرد إلى «الوعي» المباشر للمعنى، لقد جهد كل منهم، بطريقته الخاصة، لكي يجعل منهجه «الواعي» في فك الشفرة مطابقا للعمل اللاواعي للتشفير، والذي نسبوه لإرادة القوة (نيتشه)، والوجود الاجتماعي (ماركس)، والآليات السيكولوجية اللاشعورية (فرويد)، إن «المكر سوف يواجه بمكر مضاعف.»

4

هكذا يتبين أن السمة المميزة لماركس وفرويد ونيتشه هي الفرضية العامة المتعلقة بكل من عملية تزييف الوعي ومنهج فك رموز هذا التزييف. إن العمليتين تمضيان معا، ما دام رجل الارتياب يقوم بعمل رجل الزيف والخديعة ولكن في الاتجاه المعاكس ، لقد اقتحم فرويد مشكلة الوعي الزائف من خلال الطريق المزدوج للأحلام والأعراض العصابية، أما ماركس فقد اقتحم مشكلة الأيديولوجيات من داخل حدود الاغتراب الاقتصادي، وأما نيتشه، وقد ركز على مشكلة «القيمة» فقد بحث عن المفتاح الخاص بفضح الكذب وكشف الأقنعة في ناحية إرادة القوة: شدتها وضعفها.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٢٩