تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربط هابرماس تأويليته النقدية بالبراجماطيقا (التداولية) التي تعد أحدث الأفرع اللغوية سنا؛ إذ لم يعترف بها كجزء من علم اللغة إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، ولعل مرد هذا التأخير إلى أن البراجماطيقا تحيد كثيرا عن الموضوع التقليدي لعلم اللغة وفقا للتمييز الصارم الذي وضعه فرديناند دي سوسير (1857-1913م)، رائد علم اللغة الحديث، بين «اللغة»

Langue

و«الكلام»

Parole ، أما «اللغة»

Langue

فهي القالب أو البنية اللغوية التي توجد وجودا مثاليا خارج أي استعمال يومي معين، ذلك الاستعمال الذي يطلق عليه سوسير

Parole «الكلام»، ف«الكلام» عند سوسير هو تلك الكتلة المهوشة للعبارات (المنطوقات) اليومية التي لا تصلح موضوعا لعلم مثل علم اللغة، بينما اللغة عنده هي المادة المثالية المنظمة التي يمكن أن تكون موضوعا للبحث العلمي.

ومن بين أفرع علم اللغة جميعا فإن البراجماطيقا (التداولية) وحدها هي التي تجاسرت على دراسة «الكلام»

Parole ، بينما آثرت الأفرع الأخرى دراسة الكيان المنظم المستقر أي «اللغة»

Langue ، ورغم ذلك فقد انكب هابرماس على دراسة البراجماطيقا، ولم يكتف بتعديلها وتهيئتها بل أرهفها وكيفها بحيث يتلاءم مبحثها مع متطلباته النقدية.

والحق أن هابرماس لم يكن مولعا بانشغالات البراجماطيقا ب «الكلام»

Parole

بالمعنى السوسري والتي كان يراها انشغالات دنيوية مفرطة، بل كان مولعا في المقابل بالمبادئ التحتية التي تحكم البراجماطيقا وتحكم تجنيدها للغة، لقد أخذ يبحث عن النظام، والبنية، والقالب في منطوقات الحياة اليومية، وبذلك أحدث انقلابا في البراجماطيقا، وإذ جعل يعامل «الكلام» معاملة «اللغة» فقد خلق ما أسماه «البراجماطيقا العامة» (العمومية/الشاملة/العالمية)

Universal Pragmatics ، فإذا كانت البراجماطيقا تبدأ بمناهج جمع البيانات الإمبيريقية، فإن براجماطيقا هابرماس العامة تقوم على إعادة بناء الاستراتيجيات التي يستخدمها الناس في أداء أفعالهم التواصلية داخل سياقات محددة.

مشروع البراجماطيقا العامة إذن هو إعادة بناء التعامل (التفاعل) التواصلي المثالي، ويقوم هذا المشروع على نظريات مفتاحية ثلاث، تنتمي اثنتان منها للتراث الفلسفي اللغوي الأنجلوسكسوني، والثالثة تنتمي للغويات السيكولوجية الألمانية. أما «النظرية الأولى» من هذه النظريات الثلاث فهي مخطط سير كارل بوبر (1902-1994م) عن العوالم الثلاثة:

العالم 1:

عالم البيئة الطبيعية.

العالم 2:

عالم الأفكار والخبرات الذاتية.

العالم 3:

عالم المعرفة الموضوعية ... العالم الاجتماعي البينذاتي.

استلهم هابرماس هذا المخطط البوبري وذهب إلى أنه إذا كان هناك تمييز جوهري بين هذه العوالم الثلاثة فإن هناك تمييزا جوهريا بين اللغات التي تستخدم وفقا لكل من هذه العوالم أو داخل سياقها، ولكي يتعقب هابرماس هذا الاستبصار الأول فقد أفاد من النظرية الأساسية الثانية وهي نظرية «أفعال الكلام»

Speech Acts

كما بدأها فتجنشتين

Wittgenstein (1889-1951م) وطورها تلميذه الإنجليزي جون أوستن

J. Austin (1911-1960م) في كتابه «كيف تفعل أشياء بالكلمات»

How to Do Things with Words

وضع جون أوستن تصنيفا لأفعال الكلام، فقسم الأفعال الكلامية إلى ثلاثة مستويات: (1)

في المستوى الأول نجد الوظيفة الكلامية المحضة للمنطوق أو القول كما يحدث حين أصدر ضوضاء صوتية أو أكون جملة مفيدة أو أقول شيئا ذا معنى، ويسمى هذا الفعل الكلامي

Locu. Tionary Act . (2)

في المستوى الثاني تأتي الوظيفة الإنجازية للمنطوق أو العبارة؛ إذ يكون القول ذاته «فعلا»: فحين أكتب في وصيتي على سبيل المثال: «أنا أهب ساعتي لأخي وأوصي له بها» فإنني إذاك لا أصف ما أنا أقوم به ولا أثبت أنني أفعل ذلك، بل أنجز فعلا وأهب ساعة، وحين أقول في لحظة عقد الزواج «أنا أرضى بهذه المرأة زوجة لي» فأنا لا أخبر عن نفسي خبرا ولا أنقل وقائع الزواج، وإنما أتزوج، إن الجملة هنا ليست مجرد إخبار أو تقرير أو إثبات، إنها جملة إنجازية، منطوق إنجازي، ويسمى هذا الفعل من أفعال الكلام حيث يكون إنتاج العبارة هو ذاته إنجاز لفعل

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٢٥