تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفاد هابرماس إذن من التراثين الماركسي والفرويدي، وشيد نظرية تأويلية تبدأ من افتراض أن كل معنى ينتج عن الاتفاق هو موضع شك في أن يكون نتاج اتفاق زائف، وأن يكون من ثم معنى زائفا، ومهمة الهرمنيوطيقا النقدية إذن هي البحث عن اتفاق حقيقي ومعنى أصيل، وحيث إن عملية البحث عن اتفاق هي في أمثل الأحوال مغامرة عقلية، فقد استعار هابرماس فكرة العقلانية التي قال بها ماكس فيبر، ولا سيما فكرتي الفعل والفعل العقلاني. (4-1) نظرية الفعل التواصلي

Theory of Communicative Action

الفعل العقلاني، بأبسط معانيه وأصرحها، هو الفعل المخطط والمحسوب، والمصمم لتحقيق هدف بعينه، وهو دائما أيسر إجراء للظفر بأقصى نجاح ممكن، وغني عن القول أن ليست جميع الأفعال البشرية أفعالا عقلانية، ورغم ذلك فإن معظم الأفعال التي يقوم عليها المجتمع الحديث هي أفعال عقلانية: الأعمال التجارية والاستثمارية، الإجراءات القضائية، الإدارة المكتبية ... إلخ. قد يكون الفعل العقلاني موجها نحو النجاح أو النجاعة، وقد يكون موجها نحو الفهم الأصيل، وقد يكون الفعل العقلاني أيضا ذا نطاق اجتماعي، وقد يكون غير اجتماعي في نطاقه ومجاله، وفقا لهذه التصنيفات يقسم هابرماس الفعل العقلاني إلى: (1) «فعل عقلاني موجه إلى النجاح»، وهو ينقسم بدوره إلى صنفين:

فعل أداتي غير اجتماعي:

يتخذ نموذج العقلانية التقنية.

فعل استراتيجي اجتماعي المجال:

بمعنى أنه يجري في سياق توجد فيه أطراف عقلانية أخرى، والفعل الاستراتيجي هو بالضرورة فعل تنافسي ومخطط بهدف قمع أفعال الأطراف الأخرى أو محاصرتها أو التفوق عليها، وينقسم الفعل الاستراتيجي إلى قسمين: (أ)

فعل استراتيجي صريح: حيث جميع الأطراف على علم بأنها في عملية تنافسية، مثال ذلك المباريات، المناقشات، الإجراءات القانونية ... إلخ. (ب)

فعل استراتيجي مضمر: وينقسم بدوره إلى صنفين:

فعل ينطوي على خداع شعوري: مثال ذلك التلاعب والإغواء، حيث هناك طرف واحد يدري بالخدعة.

فعل ينطوي على خداع لا شعوري: مثال ذلك التحريف الأيديولوجي، حيث جميع الأطراف لا تدري بالخدعة. (2) «فعل تواصلي

Communicative Action »، وهو الفعل العقلاني الوحيد الذي يرمي إلى فهم حقيقي، والفرق المميز له عن الفعل الاستراتيجي هو أن الفعل التواصلي غير تنافسي، ورغم أنه عقلاني الصبغة فهو قائم على التواضع ومدفوع بالفهم التعاوني البينذاتي

Intersubjective

ومجرد من الأنانية والمصلحة الذاتية.

يذهب هابرماس إلى أننا بصدد الفعل التواصلي تلزمنا هرمنيوطيقا نقدية للوصول إلى الغاية المشتركة من هذا الفعل وهو الفهم المتبادل، وبصدد الفعل الاسترايتيجي تلزمنا هرمنيوطيقا نقدية تكشف النوايا الخبيثة والمقاصد الشريرة التي تتبطن الفعل الاستراتيجي، وحيث إن كلا من الفعلين التواصلي والاسترايتيجي يتجسد في اللغة، فإن على الهرمنيوطيقا النقدية أن تولي عنايتها باللغة، وها هنا يبزغ المنعطف اللغوي الشهير لهابرماس: التحول من نقد المعرفة إلى نقد اللغة، والذي يدخل النقد الأسلوبي للأيديولوجية عن ماركس إلى داخل نطاق علم اللغة (اللسانيات). (4-2) المنهج التأويلي لهابرماس: البراجماطيقا العامة

تنقسم دراسة اللغة في عامة الأحوال إلى الأقسام التالية (ضاربين صفحا في هذا المقام عن «علم الأصوات الكلامية»

Phonology

و«علم تمثيل الأصوات»

Phonetics

و«علم الصرف»

Morphology ):

علم النظم (التراكيبية)

Syntatics

الذي يدرس علاقة العلامات اللغوية بعضها ببعض.

علم دلالة الألفاظ (السيمانطيقا/المعاني)

Semantics

الذي يدرس علاقة العلامات اللغوية ب «الواقع الخارج عن اللغة»

Extralinguistic Reality .

التداولية (البراجماطيقا)

Pragmatics

التي تدرس علاقة العلامات اللغوية بمستخدميها من بني الإنسان، فليست اللغة بأي حال شيئا مخزنا بالمعاجم وكتب النحو، بل هي شيء متصل بين بني الإنسان، وأيسر طريقة لبيان الموضوعات التي تتألف منها البراجماطيقا هي أن نقول إنها تشمل جميع المسائل التي لا يمكن أن يبحثها اللغويون وفلاسفة اللغة في نطاق علم النظم أو علم الدلالة، والحق أنه في كثير من المناقشات اللغوية تستخدم عبارة «إنها مسألة تداولية لا أكثر» للتهوين من شأن بعض المسائل والموضوعات وعدم أخذها مأخذ الجد.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٢٤