Explaining
وليس مجرد «الفهم»
Understanding .
هذه بعض المناوشات الصغرى التي جرت في السجال الطويل بين هابرماس وجادامر، فالحق أن جدل هابرماس ينفذ إلى القلب من تأويلية جادامر ليصبح أساسا لتأويلية هابرماس النقدية، يزعم هابرماس أن المشكلة الجذرية في تأويلية جادامر هي أنه يظن أن كل حوار بين ذات وموضوع، أو بين ذات وأخرى، هو حوار صادق وأصيل، ويظن أن كل التحام بين أفقين هو التحام حقيقي، لم يضع جادامر في حسبانه احتمال وجود حوار زائف وإجماع زائف، ولم يدر بخلده أن لعبة الفهم والتفسير الجارية المتدفقة يمكن أن تفسدها القوى الأيديولوجية المسيطرة والعنيفة والمشوهة، والتي قد تشف وتدق بحيث لا يراها ولا يحسها اللاعبون أنفسهم، يتفق هابرماس مع جادامر في أن الحوار يجب أن يكون تفاعلا متبادلا حرا بين قوتين، ولكنه يرى أن هذه الحرية التي يقوم عليها الحوار مهددة في الصميم، فما إن يصاب الحوار بعدوى الأيديولوجيا حتى تنهار حريته ويصبح الاتفاق الذي يفضي إليه الحوار اتفاقا زائفا، بإمكان الأيديولوجيا أن تتخلل «نظرة العالم»
World View
كليا، وتتخلل «الأفق»
Horizon (أي مقولات الفهم التي لا يسعنا أن نرى وراءها)، غير أن بإمكان الأيديولوجيا أيضا أن تتسلل إلى نسيج اللغة ذاتها وتسلك نفسها في سدى اللغة ولحمتها، وهكذا تصبح اللغة، وهي الأداة الضرورية للحوار الجادامري، حاملة للعدوى الأيديولوجية، وهكذا يبدو جادامر في الصورة الكاريكاتورية لجراح خطر يحمل حقيبة آلات جراحية ملوثة.
ويتفق هابرماس مع جادامر في أن ممارسة لعبة التأويل تعني ممارسة لعبة اللغة، غير أن ممارسة لعبة اللغة عند هابرماس تعني ممارسة السيطرة والعنف والتحريف، وإذا شاءت الهرمنيوطيقا أن تتجه إلى الحقيقة وتقصدها فلا بد لها من أن تقف خارج اللعبة كمشاهد موضوعي، لا بد للمؤول من أن يتخذ موقف ملاحظ خارجي غير مشارك حتى يستطيع أن يشخص بدقة تلك العمليات المشئومة والأفاعيل الشريرة التي ترتكبها الأيديولوجيا واللغة، وحيث إن كلا من الأيديولوجيا واللغة تتسرب إلى «نظرة العالم»
World View
حتى لدى أعتى مفكر نقدي فقد كان على هابرماس أن يجد نقطة أرشيميدية يستطيع منها أن يفض الأسرار المحجبة للأيديولوجيا واللغة، وقد تبين أنه أسعد حظا من أرشيميدس نفسه؛ ذلك أن هابرماس استطاع أن يكتشف نقطتين من تلك النقاط لا نقطة واحدة، وهما بالتحديد: التحليل النفسي الفرويدي والنقد الماركسي للأيدولوجيا، أما التحليل النفسي الفرويدي فهو يقدم نموذجا لعلاج الأدواء النابعة من التشويه المنظم الذي تلحقه الأيديولوجيا واللغة بنظرة العالم. إن المحلل النفسي يشجع مرضاه، بلغة الكلام، على مداواة العلل الناجمة عن الذكريات والدوافع اللاشعورية، كذلك ينبغي على الهرمنيوطيقا النقدية أن تشجع البشرية، بلغة الخطاب، على أن تناهض القمع والزيف والتشييء الذي تنطوي عليه المعرفة.
وأما التراث الماركسي في نقد الأيديولوجيا، وهو رافد أساسي لفكر مدرسة فرانكفورت بصفة عامة، فهو يقدم نموذجا آخر للنفاذ إلى البنى التحتية للمجتمع والنظر إلى البنية الاجتماعية للمعرفة، يقول ماركس في كتابه «الأيديولوجية الألمانية»: «الوعي لا يحدد الحياة، الحياة هي التي تحدد الوعي.» غير أنه بين الضروب المختلفة من الوعي والتعبير في أي مجتمع هناك وعي سائد ومسيطر وغالب، ووعي آخر مسود وخاضع ومغلوب على أمره، الوعي الغالب هو وعي الطبقة الحاكمة، وهو يشكل أيديولوجية المجتمع، ويعمل على تبرير سلطة الطبقة المسيطرة وخدمة مصالحها وإضفاء الشرعية على أوضاعها، مهمة النقد الماركسي للأيدلويوجيا هي أن يكشف النقاب عن هذه الخدع الأيديولوجية للوعي المسيطر والتعبيرات السائدة، ويرتكز على المصلحة المحررة ويهدف إلى تحرير الطبقات المقهورة.