validity . إن الهرمنيوطيقا التي لا تتعرض لقضية الصواب هي في نظر هيرش ليست هيرمنيوطيقا بل أي شيء آخر، وهو، شأنه في ذلك شأن بتي، يعترض على إغفال التيار الهيدجري في الهرمنيوطيقا أو تجنبه لمسألة «الصواب» التي بدونها لا يكون هناك، ببساطة، علم للتأويل ولا منهج للوصول إلى التأويلات الصحيحة.
أما الزعم القائل بأن الهرمنيوطيقا يجب أن تتعامل مع «دلالة» النص بالنسبة لنا اليوم ومع البنى أو الآليات التي يصبح بها المعنى اللفظي ذا دلالة خاصة بنا، فهو زعم مرفوض من جانب هيرش؛ لأنه يرى أن هذا الأمر يدخل في مجال النقد الأدبي ويقع داخل نطاق حقول أخرى غير الهرمنيوطيقا، فالهرمنيوطيقا بمعناها الصارم القديم هي «ذلك الجهد الفيلولوجي المتواضع الذي يرمي إلى الوقوف على المعنى الذي عناه المؤلف وقصد إليه»، هذا هو «الأساس السليم الأوحد للنقد» غير أنه ليس نقدا، إنه تأويل، ولا بأس بأن تفيد الهرمنيوطيقا من التحليل المنطقي والسيرة الذاتية وحتى حساب الاحتمالات (لتحديد التفسير الأكثر احتمالا من بين عديد من التفسيرات الممكنة) إلا أنها تظل في جوهرها «فقه لغة»، ورغم ذلك، وحتى مع هذا التقليص من نطاق الهرمنيوطيقا، فإنها تظل مبحثا أساسيا يعلن المبادئ العامة لتفسير أي وثيقة مكتوبة سواء كانت وثيقة قانونية أو دينية أو أدبية، أو حتى في فن الطهي!
والآن ماذا ترى في هذا التعريف للهرمنيوطيقا بأنها ذلك الجهد المتواضع، والأساسي رغم ذلك، لوضع القواعد التي تحدد المعنى اللفظي للفقرة؟ إن أكثر ما يلفت النظر فيه هو ما يحذفه ويتخلى عنه: الهرمنيوطيقا ليست معنية بالعملية الذاتية للفهم كما ينادي شلايرماخر ودلتاي، ولا بعقد صلة بين معنى مفهوم وبين الزمن الحاضر (نطاق النقد)، بل معنية بمشكلة الحكم أو الفصل فيما بين معان مفهومة أصلا من أجل الوقوف على التفسير الصحيح من بين تفسيرات أخرى ممكنة، إنها إرشاد لفقيه اللغة الذي عليه أن يحدد من بين احتمالات عديدة ما هو المعنى الأكثر احتمالا للفقرة.
مشكلة الهرمنيوطيقا إذن، من وجهة نظر هيرش، ليست مشكلة «ترجمة أو نقل» - أي اجتياز المسافة التاريخية التي تفصلنا مثلا عن «العهد الجديد» كيما تبزغ دلالة النص بالنسبة لنا اليوم - وإنما مشكلة الهرمنيوطيقا ببساطة هي المشكلة الفيولولجية الخاصة بتحديد المعنى اللفظي الذي يعنيه المؤلف، ومن المؤكد أن هيرش يعرف ويعترف أن وصل النص بالزمن الحاضر هو مشكلة حقيقية، غير أنه ينكر أن تكون هذه المشكلة داخلة في حقل الهرمنيوطيقا، وهو إذ يتخذ هذا الموقف فإن عليه بالطبع أن يؤكد أن المعنى اللفظي هو شيء مستقل وثابت ومحدد وبمقدور المرء أن يثبته ويبرهن عليه بيقين موضوعي، مثل هذا التصور عن المعنى اللفظي يرتكز على فروض فلسفية معينة بوسعنا أن نضع عليها أيدينا، وهي فروض «المذهب الواقعي» بالدرجة الأساس، أو ربما فروض هسرل في عمله المبكر «بحوث منطقية» والذي اقتبس منه هيرش قوله بأن الموضوع القصدي الواحد قد يكون محطا لأفعال قصدية عديدة مختلفة، ويبقى الموضوع في هذه الحالة هو نفس الموضوع، فكرة مستقلة أو ماهية منفصلة.
غير أننا إذا سايرنا هيرش في نظرته حتى النهاية، واختزلنا الهرمنيوطيقا إلى مجرد مشكلة فيلولوجية، لاضطررنا إلى أن نزيح جانبا كل هذا التطور المعقد الذي أتى به فكر القرن العشرين بوصفه غير ذي صلة بعملية التعرف الفعلي على المعنى اللفظي، ولأصبحت الهرمنيوطيقا مجرد مجموعة من مبادئ التفسير الفيلولوجية التي يمكن لمدرس اللغة أو رجل الدين أو القانون أن يستخدمها دون أن يكرث نفسه بتطورات القرن العشرين في فلسفة اللغة أو في الفينومينولوجيا أو الإبستمولوجيا أو الأنطولوجيا الهيدجرية، فمن ذا الذي يكترث بهيجل أو هيدجر أو جادامر إذا كان مرامه أن يجمع معلومات عن «القصد الحقيقي» أو «المعنى اللفظي الثابت» ل