Validity of Interpretation ، في عرض منهجي منظم وقوي الحجة ناهض هيرش بعضا من الافتراضات الأثيرة لدى النقاد والتي وجهت التفسير الأدبي نحوا من أربعة عقود من الزمن، يذهب هيرش على سبيل المثال إلى أن مقصد المؤلف يجب أن يكون المعيار الذي تقاس به صحة أي «تفسير» (أي شرح وتبيان المعنى اللفظي للفقرة)، هذا المقصد هو كيان محدد يمكن أن تحشد له بينة موضوعية، وبالإمكان حين تتوافر هذه البينة تحديد المعنى، وسوف يكون هذا المعنى مقبولا على نحو عمومي شامل وسوف يدركه الجميع على أنه معنى صحيح، هكذا بدا أن حلم دلتاي بتأويل صائب موضوعيا هو بصدد التحقيق.
ومن البديهي أن «المعنى اللفظي» للفقرة، كما يحدده التحليل الفيلولوجي المكثف (لكل من العمل وأي بينة خارجية تتعلق بمقاصد الكاتب) و«الدلالة» التي يحملها العمل نفسه في وقتنا الحاضر هما مسألتان مختلفتان تماما، بل إن الدعوى الرئيسية التي يطرحها هيرش هي بالتحديد أن ضم «المعنى الحرفي» و«الدلالة» (المعنى بالنسبة لنا) معا وبلا تمييز يفتح مجالا لخلط لا نهاية له، ويذهب هيرش إلى أن هذا المزلق قد وقع فيه جادامر ولاهوتيو الهرمنيوطيقا الجديدة. إن «المعنى»
Bedeutung ، بلغة إميليو بتي، يجب أن يبقى بمعزل عن «الدلالة»
Bedeutsamkeit
وإلا انفرط فقه اللغة وتفسخ ولم يعد بالإمكان الحصول على نتائج موضوعية وصادقة، وهذا التمييز هو أمر أساسي ويتوقف عليه تماسك فقه اللغة وإمكان الموضوعية.
يقول هيرش إن غرض الهرمنيوطيقا ليس العثور على «دلالة» الفقرة بالنسبة لنا اليوم، بل تبيان معناها اللفظي نفسه، فالهرمنيوطيقا هي ذلك الفرع الفيلولوجي المختص بوضع القواعد التي يمكن بها استخلاص المعنى اللفظي للفقرة على نحو موضوعي محدد، ويرى هيرش أن جادامر وأتباع بلتمان قد ارتكبوا خطأ مضاعفا: فهم أولا قد انشغلوا بأمور لا صلة لها بالمهمة الحقيقية للهرمنيوطيقا، وهم فضلا عن ذلك قد تبنوا موقفا فلسفيا بلغ من الغلو والشطط إلى حد التشكيك في إمكان الوصول إلى معنى قابل للتحديد الموضوعي.
ويمضي هيرش في تبيان حجته فيقول إنه إذا كان معنى الفقرة (أي المعنى اللفظي) متغيرا لما عاد هناك معيار ثابت نعرف به ما إذا كان تفسير الفقرة يمضي على نحو صحيح، فما لم يميز المرء «الحذاء الزجاجي» للمعنى اللفظي الأصلي الذي كان يعنيه المؤلف، فلن يكون ثمة سبيل نميز به «سندريللا» من بقية الفتيات! يذكرنا ذلك باعتراض بتي على تأويلية جادامر: أن جادامر لا يقدم مبدءا معياريا راسخا يمكن أن نحدد به المعنى «الصحيح» للفقرة تحديدا صائبا، لقد جعل هيرش المعنى اللفظي الذي عناه المؤلف وقصده وانتواه هو المقياس وهو المحك وهو المعيار، بل إنه يمضي أبعد من ذلك فيصف المعنى اللفظي بأنه ثابت لا يتغير، وبأنه محدد وقابل للاستعادة، وفيما يلي فقرة مقتبسة من كتاب هيرش تلقي الضوء على منطقه الخاص في هذه المسألة وتكشف شيئا من النكهة الأرسطية في عرضه:
لذا عندما أقول بأن المعنى اللفظي شيء محدد فإنني أعني أنه كيان وأنه في هوية مع ذاته، وأعني فضلا عن ذلك أنه كيان يبقى دائما هو نفسه من لحظة إلى اللحظة التالية، أي إنه ثابت لا يتغير، والحق أن هذه المعايير متضمنة منذ البداية في مطلبنا الخاص بأن يكون المعنى اللفظي قابلا للاستعادة والتكرار وأن يكون دائما هو نفس الشيء في مختلف أفعال التأويل، المعنى اللفظي إذن هو ما هو وليس أي شيء آخر، وهو دائما نفس الشيء، هذا ما أعنيه بكلمة «التحديد» (الذي يتحلى به المعنى اللفظي).
5
الهرمنيوطيقا هنا تأخذ على عاتقها مهمة تزويدنا بتبرير نظري لهذا «التحديد» الذي يتحلى به موضوع التأويل، ومهمة تقديم معايير يمكن بها فهم ذلك المعنى الواحد الثابت المحدد، وبالطبع تشمل المهمة أيضا أن تقول لنا الهرمنيوطيقا على أي أساس يقع اختيارنا على معنى دون آخر، تلك هي مسألة «الصحة/الصواب»