Lycidas
ملتون، ولكن ماذا عن مشكلة فهم ما يمكن أو ما يجب أن تعنيه
Lycidas
بالنسبة لنا اليوم؟ ذلك، في رأي هيرش، شأن الناقد الأدبي، وتلك مهمته، غير أن الناقد الأدبي بالطبع «لن يزدري» العمل التكنيكي المتواضع الذي يقوم به «المفسر» - وهو الأساس الوحيد للنقد - حتى إذا كان المفسر منصرفا إلى المعنى النقي الأصلي الثابت فوق تغيرات الزمن وفوق التاريخ، المعنى الحقيقي المقصود بمعزل عن دلالته لنا اليوم.
ولكن المشكلة الهرمنيوطيقية في حقيقة الأمر ليست مجرد مشكلة فيلولوجية، ولا يمكن بحال أن تحملنا بضعة تعريفات أرسطية على أن نضرب بكل هذه التطورات الحديثة عرض الحائط، تلك التطورات التي أتت بها نظرية الفهم عند شلايرماخر ودلتاي وهيدجر وجادامر، ناهيك بتلك الإسهامات الرامية إلى تعريف الفهم التاريخي سواء داخل حقل اللاهوت أو خارجه. يزعم هيرش أن المعنى اللفظي منفصل في الحقيقة عن الدلالة ما دمنا نستطيع في واقع الأمر أن نميز ما كان يعنيه المعنى بالنسبة لمؤلفه وما يعنيه بالنسبة لنا، وإلا لاستحال وجود معنى موضوعي قابل للإعادة والتكرار، هذا ما يزعمه هيرش، ولكن هل هذه حجة مقبولة؟ إن حقيقة أن الموضوع الذهني يمكن أن يرى من زوايا عديدة لا يجعل منه شيئا ثابتا أبديا، أما الدعوى القائلة باستحالة الموضوعية إذا تخلينا عن ذلك فهي دعوى «دائرية» أي تقع في «دور منطقي» ما دامت إمكانية المعرفة الموضوعية واللاتاريخية هي ذاتها السؤال، غير أن صواب التمييز بين المعنى والدلالة يتوقف عليه صواب نظرية هيرش بأكملها عن«الصواب»
Validity ! ولكن هل صحيح أن الفهم يعمل بالطريقة الآلية التي يفترضها هيرش؟ أو هل هذا الفصل بين المعنى والدلالة هو عملية تأملية حقا قامت «بعد» فعل الفهم؟ ألا يجوز أن يكون هذا الشكل من الهرمنيوطيقا هو في حقيقة الأمر نقد نصي مقنع، ميثودولوجيا للتمييز تأمليا بين فهم وفهم آخر؟
يقينا أن مثل هذه النظرية الهرمنيوطيقية لا تطرح، بل تفترض مسبقا، نظرية في كيف يحدث الفهم نفسه! (وينبغي أن تسأل عن مدى كفايتها كنظرية في الفهم)، إنها بالأحرى تبدأ بعد الفهم، وكما يلاحظ هيرش: «يبدأ فعل الفهم كتخمين صائب (أو خاطئ)، وليس ثمة مناهج لوضع تخمينات (حدوس) أو قواعد لتوليد استبصارات، إنما يبدأ النشاط الميثودولوجي للتأويل عندما نبدأ في اختبار تخميناتنا ونقدها.» أو كما يقول بطريقة أكثر دقة: «يشتمل مبحث التأويل على كل من حيازة الأفكار واختبارها، ويقوم لا على منهج بناء بل على منطق تحقيق.»
6
فالهرمنيوطيقا عند هيرش لم تعد هي نظرية الفهم بل منطق التحقيق، إنها النظرية التي يتسنى لنا بواسطتها أن نقول: «هذا هو ما كان يعنيه المؤلف وليس ذاك.»
لقد نجح هيرش بامتياز في تحقيق ما يصبو إليه: وهو تشييد نسق واحد للوصول إلى المعاني القابلة للتحقيق الموضوعي، نجح ولكن بأية تكلفة؟ أولا: لكي يجعل المعنى محددا فقد ذهب إلى أن المعيار أو المحك يجب دائما أن يكون هو مقصد المؤلف، وثانيا: لكي يجعل هذا المعنى موضوعيا فلا بد أن يكون ثابتا وقابلا للإعادة، ومن ثم فقد ذهب إلى أن المعنى اللفظي، من حيث هو معنى، هو دائما وأبدا نفس الشيء، ولا شأن له بالمعنى بالنسبة لنا كما نجده في عملية الفهم، ولكن هل هذه الدعاوى مما يمكن قبوله؟ إن كثيرا منها يرتكز على فروض إبستمولوجية أرسطية بالدرجة الأساس، وعلى نظرية للمعنى يتوجب تبريرها هي ذاتها على أسس فلسفية.
ترى هل أسهمت حقا إعادة هيرش لتعريف الهرمنيوطيقا كمنطق للتحقيق في فهم المشكلة الهرمنيوطيقية في اتساعها وتعقدها؟ أو تراها بسطت المشكلة تبسيطا مفرطا؟ يرى إيبلنج
Ebeling
أن «موضوع الهرمنيوطيقا هو حدث الكلمة من حيث هو حدث»، وبذلك توغل الهرمنيوطيقا عميقا إلى السؤال عن الواقع وعن طبيعة مشاركتنا في اللغة، فماذا حدث لهذه الصيغة من المشكلة الهرمنيوطيقية؟ هي يمكن أن تترك لمجال آخر من مجالات البحث، مثل فلسفة اللغة؟ إن البساطة التي يتغافل بها هيرش عن متضمنات نظرية الفهم وفلسفة اللغة لتشير بأن التخصيص الضيق الذي يقترحه للهرمنيوطيقا يفتقر إلى الحكمة، وكم تتقلص مشكلة الهرمنيوطيقا وتضيق في مجال اللاهوت مثلا لو أنها قنعت بمجرد كشف المعنى اللفظي المحتمل للمؤلف! غير أن السؤال يطرح نفسه للتو عن طبيعة المعنى عند القديس بولس مثلا: هل كان القديس بولس يحاول أن يوصل فهما ذاتيا جديدا، أم ماذا؟ هل يمكن أن نجد معايير الحكم في هذا الأمر عند القديس بولس نفسه؟ وإذا زعمنا أن مثل هذه المعايير موجودة فعلا، فعلى أي أساس يمكننا أن نقرر ما إذا كانت هذه المعايير صحيحة؟ وها نحن قد عدنا أدراجنا إلى الحاضر مرة ثانية، وإن هذه النقطة بالتحديد هي التي تستوجب أن نبرزها ونؤكدها: فحتى المعايير الخاصة بالموضوعية والمعايير اللازمة للموضوعية هي مصنوعة من القماشة التاريخية للحاضر الذي نعيشه. ذلك بعض مما تحمله مشكلة الهرمنيوطيقا من تعقد، ذلك التعقد الذي يتجاهله التعريف الضيق للهرمنيوطيقا ويحثنا دون أن ندري على تجاهله.