لا يريد بتي بأية حال أن يلغي اللحظة الذاتية من التأويل، أو حتى ينكر ضرورتها في كل تأويل إنساني، غير أنه يود التوكيد على أنه أيا ما كان الدور الذاتي في التأويل فإن الموضوع يبقى موضوعا ويبقى حقيقا بالبحث عن تأويل صائب صوابا موضوعيا، إن «الموضوع»
Object
ليتحدث، وقد يسمعه السامع بطريقة صائبة أو خاطئة بالضبط؛ لأن هناك معنى قابلا للتحقق الموضوعي، وإذا لم يكن الموضوع شيئا مختلفا عن الملاحظ، وإذا لم يكن الموضوع يتحدث بنفسه عن نفسه ... فلماذا الإصغاء وفيم الاستماع؟!
يقول بتي: إن الهرمنيوطيقا الألمانية الحديثة شغلت نفسها رغم ذلك بظاهرة «الفهم»
Sinngebung (أي وظيفة المفسر الخاصة بإضفاء معنى على الموضوع) بحيث غدا هذا مساويا للتأويل، في مستهل كتاب «الهرمنيوطيقا بوصفها المنهج العام للعلوم الإنسانية» (1962م) يؤكد بتي أن غرضه الأساسي هو توضيح الفرق الأساسي بين «التأويل»
Auslegung
و«الفهم»
Sinngebung ، وأن إغفال هذا الفرق هو بالتحديد ما يهدد الدراسات الإنسانية وينال من قدرتها على استخلاص نتائج صائبة صوابا موضوعيا.
ولنتناول الآن بضعة أمثلة من قوانين بتي التأويلية واعتراضاته على جادامر، من شأن هذه الأمثلة أن تلقي مزيدا من الضوء على موقف بتي ودفاعه عن الموضوعية، إن الموضوع التأويلي عند بتي هو «موضعة»
Objectification
لروح الإنسان
Geist
معبر عنها في شكل ذي معنى، التأويل إذن هو بالضرورة تمييز وإعادة بناء للمعنى الذي تمكن المؤلف، باستخدام نوع معين من المادة، من أن يجسده، ويعني ذلك بطبيعة الحال أن الملاحظ يتوجب عليه أن يتحول إلى ذاتية مغايرة، ويرتد، خلال قلب للعملية الإبداعية، إلى الفكرة أو «التأويل» الذي يتجسد في الموضوع، هكذا يتبين، كما يلاحظ بتي، أن الحديث عن موضوعية لا تشتمل على ذاتية المؤول هو حديث واضح البطلان، غير أن ذاتية المؤول يجب أن تنفذ إلى «غيرية» الموضوع و«آخريته»، وإلا فهو لن ينجح إلا في إسقاط ذاتيته على موضوع التأويل، هكذا يتجلى القانون الأساسي والأول لكل تأويل، والذي يؤكد على استقلالية الموضوع، غيرية الغير، آخرية الآخر.
وهناك قانون ثان يتعلق بسياق المعنى أو الكل الذي تؤول الأجزاء المفردة في داخله، ثمة علاقة ترابط داخلي بين أجزاء أي حديث يضفيه المعنى الكلي المحيط المشيد من الأجزاء المفردة، وفي قانون ثالث يعترف بتي ب «موضعية/محلية المعنى»
Topicality of Meaning ، أي الارتباط بموقف المؤول نفسه واهتماماته في الحاضر والذي يدخل في كل فهم وفي كل تأويل، فالذي يقوم بتفسير حدث في الأزمنة القديمة لا حيلة له إلا أن يفسره وفقا لما خبره هو نفسه في حياته، ولا فكاك له من طريقته الخاصة في الفهم ومن مخزونه الخاص من الخبرة، هنا يتبين لنا أن بتي بعيد كل البعد عن تخيل الفهم كمسألة تلق سلبي، إنه على العكس يرى الفهم دائما عملية إعادة تشييد تتضمن خبرة المؤول نفسه في العالم، بل لعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إن بتي يؤكد مرة ثانية «من حيث المبدأ» فكرة الفهم المسبق التي صرح بها بلتمان.
غير أن بتي لا يوافق بلتمان فيما خلص إليه من أنه استنادا إلى تاريخية الفهم المسبق فإن فكرة إمكان الحصول على معرفة تاريخية موضوعية هي مجرد وهم يقع فيه التفكير الساعي إلى الموضعة، يقول بتي: «إن النص الذي يتناوله الفهم المسبق ويضفي عليه المعنى لم يوجد لمجرد أن يدعم لنا رأينا الذي نعتقده سلفا، وإنما ينبغي أن نفترض أن لدى النص شيئا يريد أن يقوله لنا، شيئا لا نعرفه منذ البداية من تلقاء أنفسنا، شيئا يوجد بمعزل عن عملية الفهم التي نقوم بها، ها هنا بالتحديد يتسلط الضوء على عبثية النظرة الذاتية، تلك التي تأثرت بوضوح بالفلسفة الوجودية المعاصرة والتي تريد أن تضم معا كلا من «التفسير/الشرح/التأويل»