والحق أن «مبدأ هيزنبرج» قد يسري هنا في صورة أكثر جذرية، أي إن الموضوع الملاحظ نفسه يتغير بعض الشيء بفعل حالة كونه يلاحظ. إن المؤرخ هو جزء من المجال نفسه الذي يلاحظه، والمعرفة التاريخية هي نفسها حدث تاريخي، ومن ثم فإن الذات والموضوع في علم التاريخ لا ينفصلان ولا يوجد الواحد منهما بمعزل عن الآخر، ولهذه الحقيقة، في رأي بلتمان، متضمنات تخص الإيمان المسيحي، وخاصة من حيث إن المسيحي خلال اللحظة الأخروية يرتفع فوق التاريخ ويعود فيدخله بمستقبل جديد ومن ثم بمعنى جديد يضفيه على التاريخ، وقد يقول قائل هنا إن بلتمان في فكرة الأخرويات هذه يريد أن يمضي خطوة أبعد من كولنجوود ليستخدم مدخلا (تناولا) لاهوتيا (أخرويا) للسؤال عن المعنى في التاريخ، إلا أن الفكرة المحورية التي يرتكز عليها بلتمان واضحة وصريحة (وهي نفس الفكرة التي هاجمها بتي): وهي أننا لا يمكن أن نتحدث عن معنى موضوعي في التاريخ؛ وذلك لأن التاريخ لا يمكن أن يعرف إلا من خلال «ذاتية» المؤرخ نفسه! (2) تأويلية إميليبو بتي
E. Betti
في عام 1962م، أي بعد عامين من صدور «الحقيقة والمنهج»، أصدر المفكر والناقد والمؤرخ القانوني الإيطالي إميليو بتي
Emilio Betti (1890-1968م) كتابا صغيرا يحمل عنوان «الهرمنيوطيقا بوصفها المنهج العام للعلوم الإنسانية»، يحمل هذا الكتاب احتجاجا صريحا وواضحا ضد تناول جادامر (وكذلك بلتمان وإيبلنج) لموضوع الهرمنيوطيقا، يتمثل اعتراض بتي في أن هرمنيوطيقا جادامر أولا لا تقوم مقام المنهج ولا تخدم أي منهج للدراسات الإنسانية، وأنها ثانيا تعرض للخطر مشروعية الإشارة إلى الوضع الموضوعي لموضوعات التأويل، ومن ثم تثير الشكوك حول موضوعية التأويل نفسه.
يبدأ كتيب بتي بهذه الفقرة الشهيرة التي يتحسر فيها على ما صار إليه أمر الهرمنيوطيقا في عهده: «إن الهرمنيوطيقا باعتبارها الإشكالية العامة للتأويل، ذلك المبحث العام العظيم الذي فاض وتدفق ببهاء وسخاء إبان الحقبة الرومانسية (أي مع شلايرماخر ودلتاي) بوصفه الاهتمام المشترك لجميع الدراسات الإنسانية، الهرمنيوطيقا التي استأثرت بانتباه العديد من عظماء الفكر في القرن التاسع عشر - أمثال همبولت في فلسفة اللغة، وأوغست فيلهلم فون شليجل المؤرخ الأدبي العظيم، وبوك الفيلولوجي والموسوعي، وسافيني رجل القانون، ومؤرخين كبار مثل نيبور ورانكه ودرويسن - هذا الشكل العريق الجليل من الهرمنيوطيقا يبدو أن ضياءه آخذ في الخفوت والانطفاء في الوعي الألماني الحديث.»
3
كان بتي يسعى إلى تجديد هذا التراث الألماني الأقدم عهدا والأثري دلالة في عمله الموسوعي الأسبق «النظرية العامة للتأويل» (1955م) الذي كان نتاج أكثر من سبع سنوات من العمل الدءوب، يقول بتي: إنه رغم كل جهوده فإن نفوذ هيدجر ظل يمتد حتى بسط سلطانه على الفلسفة وعلى اللاهوت البروتستانتي، وحتى بزغت ثم سادت صيغة للهرمنيوطيقا مختلفة تمام الاختلاف عن الهرمنيوطيقا التي عرفناها وسعينا إلى ترسيخها والتي ترمي إلى تحديد القواعد الميثودولوجية العامة لعملية التأويل، كانت الصيغة الجديدة التي استأثرت بالساحة هي ثمرة الفينومينولوجيا الناشئة والأنطولوجيا الهيدجرية والاهتمام الجديد الطاغي بفلسفة اللغة، أما في مجال اللاهوت فكان تطور الهرمنيوطيقا مرتبطا بمشروع «نزع الأسطورة» كوسيلة لمواجهة المشكلة الكبرى وهي: كيف نجعل الأناجيل موصولة بحياة القارئ المعاصر ومقبولة لعقل الإنسان الحديث.
كان إميليو بتي مؤرخا للقانون، ومن ثم لم يكن اهتمامه منصبا على تأصيل فلسفي للعمل الفني (كما هو الحال بالنسبة لجادامر)، ولا على بلوغ فهم أعمق لطبيعة الوجود (هيدجر)، ولا على إيجاد حل عاجل لمشكلة المعنى المعاصر لرسالة الإنجيل (بلتمان وإيبلنج)، كان اهتمام بتي، بوصفه مؤرخا للقانون، منصبا في حقيقة الأمر على التمييز بين الحالات المختلفة للتأويل في الدراسات الإنسانية وعلى صياغة مجموعة من المبادئ الأساسية التي نفسر بها أفعال الإنسان وموضوعاته، فإذا ما لزمت التفرقة بين لحظة فهم موضوع ما بحد ذاته وبين رؤية المعنى الوجودي لهذا الموضوع بالنسبة لحياة المرء نفسه ومستقبله، عندئذ يمكننا القول بأن هذه اللحظة الوجودية هي ما يشغل جادامر وبلتمان وإيبلنج، بينما انصرف بتي إلى التركيز على طبيعة التفسير «الموضوعي» والإحكام المنهجي لهذا التفسير.