Phronesis
غير جازمة، من حيث إن هذه المعرفة تتعلق أحيانا بالغاية أكثر من تعلقها بالوسيلة، وتتعلق أحيانا أخرى بدرجة أكبر بالوسيلة ذاتها المتخذة إلى الغاية، يعني ذلك في حقيقة الأمر أن الغاية التي تتجه إليها الحياة الصالحة ككل وترجمتها إلى مبادئ للفعل هي أمور لا يمكن أن تكون موضوعا لمعرفة قابلة للتعليم.
26
هكذا يتبين أيضا أن مجرد الملاءمة العملية أو «النجاعة» لا دخل لها بتعزيز الغايات الأخلاقية، الغاية في الأخلاق لا تبرر الوسيلة، بل النظر في الوسيلة هو نفسه اعتبار أخلاقي، وهذا بعينه هو ما يقوم الصواب الأخلاقي للغاية ويجعله عينيا ملموسا. تتسم «المعرفة الذاتية» التي يتحدث عنها أرسطو بحقيقة أنها تتضمن تطبيقا قويما وتستخدم معرفتها في الوقع المباشر للموقف المعطى، ومن ثم تكون معرفة الموقف الجزئي (وهي رغم ذلك ليست رؤية حسية) هي مكمل ضروري للمعرفة الأخلاقية، فرغم أنه من الضروري أن نرى ما يطالبنا به الموقف وما يهيب بنا أن نفعله، فإن هذه الرؤية ليست رؤية حسية، بل رؤية عقلية، بنفس المعنى الذي «نرى» به من خلال التحليل الهندسي للسطوح المستوية أن المثلث هو أبسط شكل ثنائي الأبعاد يمكن رسمه على سطح مستو، وبالتالي يستحيل علينا أن نمضي في تقسيمنا أكثر من ذلك ويتعين علينا أن نتوقف هنا، كذلك الحال في التدبر الأخلاقي، حيث رؤية ما ينبغي فعله في الحال ليست مجرد رؤية حسية بل هي رؤية عقلية
Nous ، المعرفة الأخلاقية إذن هي معرفة من نوع خاص شديد الخصوصية، فهي تضم معا على نحو غريب كلا من الوسيلة والغاية، وتختلف بالتالي عن المعرفة التقنية؛ ولذا فمن العبث أن نميز هنا بين المعرفة والخبرة مثلما نفعل بالنسبة للصنعة، فالمعرفة الأخلاقية تنطوي في ذاتها على صنف من الخبرة، ولعل هذه هي الصورة الأساسية للخبرة
Erfahrung
والتي إذا قورنت بها جميع الخبرات الأخرى لتكشفت عن مجرد اغتراب، إن لم نقل مسخ وإفساد.
27
وللمعرفة الذاتية الخاصة بالتأمل الأخلاقي علاقة فريدة مع ذاتها، وبوسعنا أن نرى ذلك من خلال التعديلات التي أجراها أرسطو في سياق تحليله للمعرفة العملية (
Phronesis ) فإلى جانب المعرفة العملية، فضيلة التأمل الحصيف، يقف «الفهم المتعاطف»
Sympathetic Understanding (انظر الأخلاق النيقوماخية، الجزء السادس، قسم 11). ها هنا يدخل «فهم الوجود» كتعديل لفضيلة المعرفة الأخلاقية، ففي هذه الحالة لست أنا من يتعين عليه أن يفعل، يترتب على ذلك أن الفهم المتعاطف يعني، ببساطة، القدرة على الحكم الأخلاقي، فالفهم المتعاطف لشخص ما يستوجب الثناء بطبيعة الحال عندما يضع هذا الشخص نفسه بتمامها في الموقف العيني للشخص الفاعل حتى يحكم عليه، إذن السؤال هنا ليس سؤالا عن المعرفة بصفة عامة بل عن تعينها في لحظة محددة، وهذه المعرفة أيضا ليست بأي حال معرفة تقنية أو تطبيقا لمثل هذه المعرفة، إن الشخص الدنيوي الملم بجميع الحيل والمراوغات والمتمرس بكل ما هو كائن لا يملك في حقيقة الأمر حالة واحدة، وهي أن ينشد هو أيضا ما هو صواب، أي إنه متوحد بالشخص الآخر في هذا الشأن المشترك، والمثال الملموس على ذلك هو ظاهرة إسداء النصح في مسائل الضمير، فالشخص الذي يلتمس النصح والشخص الذي يسديه يفترضان أنهما مرتبطان معا في صداقة، وحدهم الأصدقاء من بوسعهم أن ينصح بعضهم بعضا، أو لنقل بعبارة أخرى: وحدها النصيحة التي قصد بها الود الصادق ما يحمل معنى لدى متلقي النصح. مرة أخرى نكتشف أن الشخص الذي يقوم بعملية الفهم لا يعرف ولا يحكم كفرد يقف بمنأى ومعزل، بل يواكب الآخر في التفكير من منظور رابطة معينة من الانتماء، كما لو كان هو أيضا مشمولا بالموقف ومتأثرا به.
ويتجلى هذا بتمامه عندما ننظر في لونين آخرين من التأمل الأخلاقي أدرجهما أرسطو، وهما البصيرة