تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Phronesis ) يمكن للمرء أن يستمد إجابات مختلفة عن هذا السؤال، ذلك أن قدرة أرسطو على وصف الظواهر من كل جانب من جوانبها تشكل عبقريته الحقيقية.

إننا نتعلم «الصنعة» ويمكن أيضا أن ننساها، ولكننا لا نتعلم المعرفة الأخلاقية، ولا هو بمقدورنا أن ننساها، إننا لا نقف بإزائها، لا نقف قبالتها، كما لو كانت شيئا ما يمكن أن نكتسبه أو لا نكتسبه، مثلما يمكننا أن نختار أن نكتسب مهارة موضوعية ما، أي «صنعة»، إنما نحن دائما مغمورون في موقف حتمية الفعل، ومن ثم فلا بد أن نمتلك سلفا معرفة أخلاقية وأن نكون قادرين على تطبيقها، هذا هو ما يجعل مفهوم التطبيق إشكاليا للغاية؛ ذلك أننا لا يمكننا أن نطبق إلا شيئا هو في حوزتنا بالفعل، بيد أننا لا نملك المعرفة الأخلاقية بمعنى أن نحوزها بالفعل ثم نطبقها على مواقف محددة، صحيح أن لدى الإنسان صورة عما ينبغي أن يكونه (أفكاره عن الصواب والخطأ، عن الدماثة والشجاعة والكرامة والإخلاص ... إلخ) وأنه بالتأكيد يسترشد بها في سلوكه، ولكن يظل هناك فرق أساسي بين هذه الصورة وبين الصورة التي يسترشد بها الحرفي في صنعته، أي خطته لصنع الشيء الذي هو مقدم على صنعه، فما هو صواب مثلا لا يمكن تحديده تحديدا تاما بمعزل عن الموقف الذي يتطلب مني فعلا صائبا، بينما الصورة التي يريد الحرفي أن يصنعها هي صورة تحددها تماما تلك الفائدة المقصودة منها.

ومن الحق أن ما هو صواب يبدو أمرا محددا أيضا تحديدا مطلقا؛ لأننا نصوغه في قوانين وندرجه في قواعد عامة للسلوك يمكن، رغم أنها غير مدونة، أن تكون محددة بدقة كبيرة وملزمة للجميع، هكذا تعد إقامة العدل مهمة خاصة تتطلب المعرفة والمهارة معا في آن: ألا تكون صنعة إذن؟ أليست عبارة عن تطبيق القوانين والقواعد على الحالة العينية؟ ألسنا نتحدث عن «فن» القاضي؟ فلماذا لا يكون صنف المعرفة العملية التي يحوزها القاضي، كما يصفها أرسطو، هو تقنية أو «صنعة»؟

25

إذا أنعمنا النظر لرأينا أن تطبيق القوانين ينطوي على ضرب غريب من الالتباس القضائي. إن موقف الحرفي الصانع جد مختلف، فهو بواسطة تصميم الشيء الذي يضمره بذهنه والقواعد الخاصة بتنفيذه يمضي في تحقيق ذلك الشيء، وهو قد تضطره الظروف إلى تحوير خطته، وقد يعدل عن تصوره الأول إلى تصور آخر دون أن يعني ذلك أن معرفته عما يريد فعله قد تحسنت، وإنما وجه الأمر هنا أننا بإزاء القصور المؤلم المصاحب لتطبيق المرء لمعرفته.

أما موقف الشخص وهو «يطبق» القانون فهو موقف مختلف تمام الاختلاف، فهو في حالة معينة سيكون عليه أن يحجم عن تطبيق القانون بكل حذافيره وبكل بأسه، ليس لأنه لا يملك بدائل بل لأنه إن فعل ذلك سيجانب الصواب، وهو إذ يكبل القانون لا يتنقص منه، بل ينشد قانونا أفضل، وقد عبر أرسطو عن ذلك بوضوح كبير في تحليله للعدالة

Epieikeia (Equity) : «فالعدالة هي تصحيح القانون.» أوضح أرسطو أن كل قانون هو بالضرورة في حالة شد وتوتر مع الفعل العيني، من حيث هو - أي القانون - شيء عام؛ ومن ثم لا يمكنه احتواء الواقع العملي بكل عيانيته، ومن الجلي أن الهرمنيوطيقا القضائية تجد مكانها الصحيح هنا، ومن ثم يجب في كل قانون أن يستخدم تأويل من شأنه أن يثني القانون ويخضعه أو يطوعه لقرارات أكثر إنسانية وسماحة. إن القانون دائما ناقص، لا لأن به قصورا بحد ذاته بل لأن الواقع الإنساني هو بالضرورة منقوص ومطفف بالمقارنة بالعالم المنظم المكتمل للقانون، وهو بالتالي لا يسمح بتطبيق بسيط مباشر للقانون.

وثمة فرق آخر بين المعرفة الأخلاقية والمعرفة التقنية يتعلق بالعلاقة التصورية بين الغاية والوسيلة، لا تنطوي المعرفة التقنية بالضرورة على مداولة مع النفس وعلى تفكر وتدبر، فحيثما تواجدت صنعة ما فإن كل ما علينا هو أن نتعلمها، وعندئذ يكون بمكنتنا أن نجد الوسيلة الصحيحة، أما المعرفة الأخلاقية فهي تقتضي دائما ضربا معينا من مداولة الذات، من التفكير والتدبر وتقليب الأمر، والمعرفة الأخلاقية لا يمكن مطلقا أن تكون معروفة مقدما شأن المعرفة التي يمكن تعلمها، والعلاقة بين الوسيلة والغاية هنا ليست علاقة تقليدية تسمح بأن يعرف المرء الوسيلة الصحيحة مقدما؛ وذلك لأن الغاية الصحيحة ليست موضوع معرفة أيضا! لا يمكن أن يكون هناك يقين مقدم يتعلق بما تتجه إليه الحياة الصالحة ككل، وهذا ما يجعل تعريفات أرسطو للمعرفة العملية

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٠٧