تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Insight

وحس الزمالة، البصيرة هنا تعني صفة أو كيفية، فنقول: إن شخصا ما هو شخص متبصر عندما يصدر حكما صحيحا عادلا، المتبصر هو شخص مهيأ لأخذ موقف الشخص الآخر بعين الاعتبار ومن ثم فهو أيضا أميل ما يكون إلى التسامح أو العفو، ومن الواضح هنا أيضا أن هذه ليست معرفة تقنية.

28

وأخيرا يبين أرسطو بجلاء ووضوح الطبيعة الخاصة للمعرفة الأخلاقية وفضيلة امتلاكها بأن يعرض المسخ الدنيء لهذه المعرفة الأخلاقية، وهو «الدينوس» (الفظيع)

Deinos ، إنه الشخص الذي لديه كل متطلبات المعرفة الأخلاقية وملكاتها، والذي يستطيع بمهارة كبيرة أن يستفيد من أي موقف أقصى استفادة، ولديه القدرة على أن يحول أي شيء لصالحه وأن يجد مخرجا من كل موقف، ولكن هذا النظير الطبيعي للفرونيسيس

Phronesis

يتسم بأنه «قادر على أي شيء»، إنه يستخدم مهاراته من أجل أي غرض دون ضابط أو رابط، وليس من قبيل الصدفة أن يطلق على مثل هذا الشخص اسما يعني أيضا

Terrible

فليس هناك ما هو أبشع ولا أغرب ولا أفظع من استخدام المواهب الفذة من أجل الشر، يقول جادامر: «وصفوة القول أن وصف أرسطو للظاهرة الأخلاقية، وبخاصة فضيلة المعرفة الأخلاقية، يتصل ببحثنا التأويلي صلة وثيقة، ذلك أن تحليله يقدم في الحقيقة نموذجا معينا من مشكلات الهرمنيوطيقا، فنحن أيضا قد ذهبنا إلى أن التطبيق ليس جزءا لاحقا ولا عرضيا من ظاهرة الفهم، بل يشارك في تحديده ككل منذ البداية، فهنا أيضا لا يتمثل التطبيق في الربط بين مبدأ كلي معطى مسبقا وبين موقف جزئي، إن المؤول إذ يتناول نصا تراثيا معينا إنما يحاول أن يطبقه على نفسه، ولكن هذا لا يعني أن النص معطى له كشيء كلي عام، لا يعني أنه يفهم النص أولا بما هو كذلك ثم يستخدمه بعد ذلك في تطبيقات معينة، فالمؤول لا يرمي إلى أكثر من أن يفهم هذا الشيء الكلي العام، النص، أي أن يفهم ما يقوله النص، وما يشكل معنى النص ودلالته، ولكي يفهم ما يقوله النص، وما يشكل معنى النص ودلالته، ولكي يفهم ذلك يتعين عليه ألا يتغافل نفسه ويتغافل موقفه الهرمنيوطيقي الخاص، بل يجب أن يطبق النص على هذا الموقف إذا شاء أن يظفر بأي فهم على الإطلاق.»

29

الفصل العاشر

| معارك حول التأويل

كان كتاب «الحقيقة والمنهج» منعطفا هاما في تطور الهرمنيوطيقا، وقد أثار هذا الكتاب العمدة فور صدوره أصداء هائلة لدى الباحثين في المجال اللغوي والفلسفي واللاهوتي سواء داخل أوروبا أو في الولايات المتحدة، وقد تنوعت الاستجابات ما بين تأييد حار وتفهم متعاطف من جهة، وبين استنكار شديد وهوج ضار من جهة أخرى، ولا نعدم من المفكرين من اتخذ موقفا وسطا وآثر أن يتناول فكر جادامر بحيطة وحصافة ويأخذ منه صفوته الإبداعية الحقة التي تتمثل في الانفتاح الأصيل على النص، ويتلافى ما به من غلو وشطط يقترب به من مظان التميع ومزالق الذاتية.

لم يمض عام أو عامان حتى تعرض هذا الكتاب لهجوم شديد من جانب الناقد الإيطالي إميليو بتي

E. Betti

الذي أعلن أن الألمان يناقضون أنفسهم ولا يفهمون معنى الموضوعية في تناولهم للتأويل، وتعرض جادامر للهجوم على مدى الستينيات، من التفكيكيين وغيرهم من الدارسين خارج ألمانيا، ففي الولايات المتحدة هاجمه إ. د. هيرش

E. D. Hirsch

في كتاب أصدره عام 1967م بعنوان «صحة التأويل» ويقترح فيه مواصلة تقاليد الهرمنيوطيقا المنهجية التي تستهدف وضع تأويلات موضوعية للنصوص.

ولكن الاتجاه الديني الذي قويت شوكته بعد الحرب العالمية الثانية في ألمانيا وجد في هيدجر وجادامر بعض العناصر الإيجابية التي تساعد الباحثين على التصالح مع النصوص المقدسة، فاتجه ثلاثة من علماء اللاهوت الألمانيين إلى تبني «منهج» جادامر (وهم ر. بلتمان ، ج. إيبلينج، أ. فوكس)، كما اتجه بعض علماء اللاهوت الأمريكيين إلى اعتبار كتاب جادامر المذكور بابا يمكنهم الدخول من خلاله إلى لون من التأويل المقنع على أسس فلسفية للنصوص المقدسة، ومنهم ج. روبنسون وج. كوب.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٠٩