من الجلي أن هذا ليس ما نعنيه بعملية المعرفة في مجال العلم، ومن ثم فإن التمييز الذي وضعه أرسطو بين المعرفة الأخلاقية (
Phronesis ) والمعرفة النظرية (
Episteme ) هو تمييز بسيط قريب المأخذ وبخاصة إذا ما تذكرنا أن العلم عند اليونان يتخذ مثله الأعلى من الرياضيات، تلك المعرفة التي تتناول ما هو ثابت لا يتغير، المعرفة التي تعتمد على البرهان والتي يمكن من ثم أن يتعلمها أي شخص، من المؤكد أن هرمنيوطيقا العلوم الإنسانية ليس لديها ما تتعلمه من المعرفة الرياضية (كمقابل للمعرفة الأخلاقية)، فالعلوم الإنسانية تأخذ موقفا أقرب إلى المعرفة الأخلاقية منه لذلك الصنف «النظري» من المعرفة، إنها «علوم أخلاقية»، موضوعها هو الإنسان وما يعرفه الإنسان عن نفسه، على أن الإنسان يعرف نفسه ككائن فاعل، وهذا الصنف من معرفة الإنسان عن نفسه لا ترمي إلى البرهان على ما هو كائن؛ فالكائن الفاعل إنما ينصب اهتمامه على شيء ليس ثابتا على الدوام بل يمكن أن يعتريه التغير. في هذا الشيء يمكنه اكتشاف النقطة التي ينبغي عندها أن يأتي فعله، إن غاية معرفته هي أن يحكم أفعاله ويسيطر عليها.
هنا تكمن المشكلة الحقيقية للمعرفة الأخلاقية التي شغلت أرسطو في مبحثه «علم الأخلاق»، ذلك أن هناك صنفا نموذجيا من الفعل الذي تحكمه المعرفة متمثلا فيما يسميه اليونان
Techne
أي الفن الحرفي أو «الصنعة»، إنها المهارة أو المعرفة التي يحوزها الحرفي الصانع الذي «يعرف كيف» يصنع شيئا معينا على وجه التحديد، والسؤال الآن هو ما إذا كانت المعرفة الأخلاقية هي معرفة حرفية من هذا النوع، أي معرفة كيف يصنع المرء نفسه: هل يتعلم الإنسان أن يصنع من نفسه ما ينبغي أن يكون عليه بنفس الطريقة التي يتعلم بها الحرفي أن يصنع أشياء معينة وفقا لخطته ومشيئته؟ هل يسقط الإنسان نفسه على «مثال» أو «صورة»
Eidos
لنفسه بالطريقة ذاتها التي يضمر بها الحرفي مثالا أو صورة عما يحاول أن يصنعه بيديه ويجسده في مادته؟
24
هذه هي النقطة التي يمكننا عندها أن نربط بين تحليل أرسطو للمعرفة الأخلاقية وبين المشكلة الهرمنيوطيقية الخاصة بالعلوم الإنسانية الحديثة، صحيح أن الوعي الهرمنيوطيقي لا شأن له بالمعرفة التقنية ولا الأخلاقية، غير أن هذين الصنفين من المعرفة ما يزالان مشتملين على مهمة «التطبيق» نفسها التي أثبتنا آنفا انها المشكلة المحورية للهرمنيوطيقا. إن التحكم الحقيقي في المادة الخام أمر مطلوب عمليا في الصنعة، وهذا بالتحديد يقدم نموذجا للمعرفة الأخلاقية، غير أن هناك فرقا واضحا بين المعرفة الأخلاقية ومعرفة «الصنعة»، فمن الجلي أن الإنسان ليس «تحت تصرف نفسه بالطريقة ذاتها التي تكون بها خامة الحرفي تحت تصرفه، ومن الجلي أنه لا يملك أن «يصنع نفسه» بنفس الطريقة التي يمكن أن يصنع بها أي شيء آخر، ومن ثم فلا بد أن المعرفة التي يتطلبها وجوده الأخلاقي غير المعرفة التي يسترشد بها في صنع شيء ما.»
وقد قبض أرسطو على هذا الفرق بطريقة جريئة وفريدة عندما أطلق على هذا النوع من المعرفة «المعرفة الذاتية» أي معرفة المرء لنفسه، إنه تعبير يفصل هذه المعرفة بشكل مباشر عن المعرفة «النظرية»، غير أنه يفصلها أيضا عن المعرفة «التقنية»، وهذه التفرقة الأخيرة، أي تفرقتها عن المعرفة التقنية، هي الأصعب إذا حددنا، كما فعل أرسطو، «موضوع» هذه المعرفة أنطولوجيا، لا كشيء عام يبقى كما هو على الدوام، بل كشيء مفرد يمكن أيضا أن يختلف، ذلك أن المهمتين تبدوان للوهلة الأولى متماثلتين تماما: فالشخص الذي يعرف كيف يصنع شيئا ما يعرف «خيرا» ويعرفه «لنفسه»، بحيث يمكنه فعلا أن يصنعه كلما واتت الظروف؛ فيأخذ الخامة الصحيحة ويتخير الوسيلة الصحيحة لإتمام العمل، لا بد إذن أنه يعرف كيف يطبق ما تعلمه بطريقة عامة على الموقف العيني الجزئي، أليس هذا الشيء نفسه هو ما يحدث بالنسبة للوعي الأخلاقي؟ أليس الشخص أيضا الذي يتخذ القرارات الأخلاقية هو دائما شخص قد تعلم شيئا ما تشكل بالتعليم والعرف، بحيث يعرف بصفة عامة ما هو الصواب، وفعل الشيء الصحيح في الموقف الجزئي، أي إنه رأى ما هو صواب داخل إطار الموقف واستوعبه؟ أليس هو أيضا ينبغي أن يفعل ما يفعله بتخير الوسيلة الصحيحة وأن يسيطر على مسلكه بنفس الإتقان الذي يتسم به رجل الحرفة؟ فكيف إذن تعد المعرفة الأخلاقية أمرا مختلفا كل الاختلاف عن المعرفة التقنية؟! من تحليل أرسطو للمعرفة العملية (