تناول أرسطو بالنقد فكرة أفلاطون عن الخير ووصفها بأنها تعميم فارغ، وشرع بدلا من ذلك في التساؤل عما هو خير بشكل إنساني، ما هو الخير كصفة تسند إلى الفعل الإنساني (انظر «الأخلاق النيقوماخية» الجزء الأول، القسم 4)، وقد بين أرسطو في نقده أن مساواة الخير بالمعرفة (وهو أساس نظرية سقراط وأفلاطون في الفضيلة) هي مبالغة وشطط، وأعاد الأمر إلى نصابه بأن أوضح أن أساس المعرفة الأخلاقية عند الإنسان هو المجاهدة والكدح وتطورهما إلى خليقة مكينة وسلوك ثابت
Hexis ، وإن اللفظة نفسها
Ethics
لتدل على أن أرسطو يقيم الفضيلة على الممارسة وعلى الإيثوس، (
Ethios
الطبع، الشخصية).
تختلف الحضارة الإنسانية عن الطبيعة اختلافا جوهريا في أنها ليست مكانا تحقق فيه الإمكانات والقدرات نفسها ببساطة، إن الإنسان يصبح ما هو خلال ما يفعله وكيف يفعله، أي إنه يتصرف بطريقة معينة يمليها ما وصل إليه وما أصبح عليه، هكذا يختلف «الإيثوس» عن «الفيزيس» في أنه نطاق تتوقف فيه قوانين الطبيعة عن العمل، غير أنه ليس مجالا بلا قانون، وإنما هو مجال النظم البشرية وطرائق الفعل الإنسانية التي تتسم بالتغير وعدم الثبات ولا تشبه القوانين إلا شبها ضئيلا.
22
والسؤال الحق هو ما إذا كان بالإمكان وجود شيء من قبيل المعرفة الفلسفية الخاصة بالوجود الأخلاقي للإنسان، وأي دور يمكن أن تضطلع به المعرفة (اللوجوس) في الوجود الأخلاقي للإنسان، فإذا كان الإنسان بصفة دائمة يواجه الخير في هيئة موقف عملي محدد يجد نفسه فيه فإن مهمة المعرفة الأخلاقية هي أن تحدد له ما يطلبه منه الموقف العياني ويهيب به أن يفعله، أو بعبارة أخرى ينبغي على الشخص الفاعل أن ينظر إلى الموقف العياني في ضوء ما هو مطلوب منه بصفة عامة، غير أن هذا، إن وضعناه بصيغة سلبية، يعني أن المعرفة التي لا يمكن أن تطبق على الموقف العياني تبقى معرفة بلا معنى، بل تعرض ما يتطلبه الموقف للتعتيم والإبهام، هذا الحال الذي يمثل طبيعة التأمل الأخلاقي يجعل الفلسفة الأخلاقية مشكلة صعبة منهجيا، ليس هذا فحسب، بل إنه يجعل مشكلة المنهج مشكلة ذات صلة بالأخلاق، وفي مقابل نظرية الخير القائمة على مذهب أفلاطون في المثل فإن أرسطو يؤكد أن من المحال على علم الأخلاق أن يبلغ الدقة المتناهية التي تتمتع بها الرياضيات، بل إن طلب هذا الصنف من الدقة هو في حقيقة الأمر طلب غير ملائم، إن ما يلزمنا فعله هو، ببساطة، أن نضع صورة عامة وبواسطة هذا المخطط التمهيدي نكون قد قدمنا للوعي الأخلاقي بعض العون (انظر «الأخلاق النيقوماخية»، الجزء الأول، القسم 7، والجزء الثاني، قسم 2)، ولكن كيف يتأتى هذا العون وكيف يكون ممكنا؟ إن هذا يمثل مشكلة أخلاقية بحد ذاته، فمن الواضح أن من سمات الظاهرة الأخلاقية أن الشخص الفاعل يتعين عليه أن يعرف ويقرر بنفسه، ولا يمكن لأي شيء آخر أن ينهض بهذه المسئولية نيابة عنه، هكذا يتبين أن على علم الأخلاق بوصفه مبحثا فلسفيا أن يحوز بالضرورة على المدخل الصحيح بحيث لا يغتصب مكان الوعي الأخلاقي، غير أن عليه أيضا ألا ينشد معرفة نظرية و«تاريخية» خالصة، بل عليه، بترسيم الظاهرة، أن يساعد الوعي الأخلاقي على أن يبلغ الوضوح والجلاء فيما يتعلق بذاته، إن هذا يفرض على من يرغب في تلقي هذا العون (أي الشخص الذي يستمع إلى محاضرة أرسطو) أشياء كثيرة: إن عليه أن يكون من النضج بحيث لا يطلب من تعاليم أرسطو أكثر مما تملك أن تقدمه، ويمكننا، بصيغة إيجابية، أن نقول إن عليه، من خلال التعليم والممارسة، أن يكون قد حقق هو نفسه مسلكا يحرص على التزامه في المواقف العيانية لحياته وعلى تصويبه من خلال التصرف الصائب.
23
كما رأينا فإن مشكلة المنهج يحددها الموضوع تحديدا تاما، وذلك مبدأ أرسطي عام، وما يهمنا حقا هو أن نفحص بدقة أكبر تلك العلاقة الخاصة بين الوجود الأخلاقي والوعي الأخلاقي والتي وصفها أرسطو في كتابه «الأخلاق»، لقد ظل أرسطو سقراطيا من حيث إنه أبقى المعرفة كعنصر ضروري للوجود الأخلاقي، وإن التوازن الذي أوجده بين الإرث السقراطي والأفلاطوني وبين فكرته عن «الإيثوس» هي بالتحديد ما يهمنا في هذا المقام، ذلك أن المشكلة الهرمنيوطيقية هي أيضا متميزة بشكل واضح عن المعرفة «الخالصة» المنفصلة عن أي نوع معين من الوجود، لقد تحدثنا عن انتماء المؤول للتراث الذي يؤوله، وقد رأينا أن الفهم نفسه هو حدث تاريخي . إن اغتراب المفسر عن المفسر بواسطة المنهج الموضوعي للعلم الحديث، وهو ما يميز الهرمنيوطيقا والتأريخ في القرن التاسع عشر، قد بدا كنتيجة للإضفاء الزائف للموضوعية، وهدف جادامر في الرجوع إلى مثال الأخلاق الأرسطية هو أن يساعدنا على إدراك ذلك وتفاديه؛ ذلك لأن المعرفة الأخلاقية، كما يصفها أرسطو، ليست معرفة موضوعية بكل تأكيد، أي إن الشخص العارف لا يقف بإزاء موقف يقوم بملاحظته فحسب، إنه ملتحم بشكل مباشر بما يراه، إنه شيء عليه أن يفعله.