أخذ جادامر بتعريف هيدجر الأصلي الشامل للفهم، وتعمقه إلى مداه مقتفيا كتابات هيدجر المتأخرة، فأبرز الجانب الأنطولوجي واللغوي للفهم، وهو بهذا السعي وبمحاولته لتأسيس هرمنيوطيقا فلسفية منظمة فقد اقترب كثيرا من هيجل الذي يمثل قوة مؤثرة كبرى في الفلسفة الألمانية. إن الطابع الجدلي والنظري عند جادامر ليذكرنا بهيجل على الفور، وإن وجه الشبه بين فينومينولوجيا الفهم عند جادامر وبين فينومينولوجيا الروح عند هيجل هو أمر لا يمكن إغفاله.
لعل من الصواب أن تقول إن جادامر كان يميل إلى الوفاق مع هيجل بالقدر الذي يحيد به عن هيدجر، ومن الصواب من جهة أخرى أن نقول إن هرمنيوطيقا جادامر الجدلية هي، ببساطة، امتداد بفكر هيدجر نفسه وتصريح بمضمره. لقد أخذ نظرية هيدجر في الفهم والأنطولوجيا ونقد النزعة الذاتية الإنسانية الحديثة ونقد التكنولوجيا، وطور، بلا تناقض جذري مع هيدجر، هرمنيوطيقا نظرية ديالكتيكية أنطولوجية متمركزة على اللغة.
ولعل المسحة الهيجلية لهرمنيوطيقا جادامر الهيدجرية أساسا هي بمثابة تحسين لتصور هيدجر، يتجلى ذلك بوضوح عندما يلاحظ المرء ميل هيدجر في كتاباته المتأخرة إلى وصف الفهم في حدود سلبية: الفهم ليس فعلا للإنسان بل هو حدث فيه! حيث يبزغ خطر أن يتحول الإنسان إلى بقعة سلبية في تيار اللغة والتراث. إن جادامر لا يوغل في الطرف الآخر الذي يعد ذاتية الإنسان بمثابة نقطة البدء في كل تفكير عن الفهم، ولكنه يتخذ بالفعل موقفا يسمح بدرجة أكبر من التفاعل الدينامي عندما يتحدث عن «الخبرة» وعن «انصهار الآفاق»، ومن الجدير بالذكر، في هذا الصدد، أن النقد الحديث الذي وجهه جان-ماري دوميناك لبنيوية ليفي شتراوس وميشيل فوكو لا يطال جادامر بقدر ما يطال هيدجر: «ثمة توجه عام في فلسفة اليوم يريد أن يعكس نظام المصطلحات التي درجت عليها الفلسفة حتى الآن، وأن ينفي النشاط المستقل للوعي: أنا لا أفكر بل أفكر، لا أقول بل أقال، لا أتناول شيئا ما بل أتناول، إنه من اللغة يأتي كل شيء وإليها يعود ... إلخ، لقد صار النسق، في دعوى هؤلاء، سيدا على الإنسان، النسق
The System ، ذلك التفكير البارد غير الشخصي والمشيد على حساب كل ذاتية فردية أو جمعية، ينفي أخيرا إمكان وجود ذات قادرة على التعبير والفعل المستقل.»
ومن الإنصاف أن نقول إن المدخل الفينومينولوجي بريء من تلك الموضوعية المجردة للنسق الخالص التي لا تحسب للإنسان حسابا، ومن ثمن فمن الخلط والعبث أن نحشر هيدجر أو جادامر في زمر ة البنيويين، ولكن يبقى أن نحسب لجادامر مزية انفرد بها بفضل نزعته الهيجلية: إنه بقدر جدليته بالتحديد وحديثه عن الطبيعة الجدلية للخبرة كمبدأ أساسي في تأويليته، فهو يسمح بتصور الفهم كفعل شخصي وليس كمجرد «حدث يحدث». «الحقيقة والمنهج» إذن يفتح أفقا بأكمله من الاعتبارات في النظرية الهرمنيوطيقية، فاتحا، ربما، مرحلة جديدة مثمرة في التفكير الحديث حول التأويل، وبينما نقل هيدجر الهرمنيوطيقا إلى تصور حدث الفهم أنطولوجيا، فإن جادامر طور أنطولوجيا الفهم إلى هرمنيوطيقا جدلية تضع موضع التساؤل أرسخ بديهيات الاستطيقا الحديثة والتأويل التاريخي، وأمكنها أن تقدم الأساس الفلسفي لنقد جذري لتصورات التأويل السائدة في النقد الأدبي الحديث.
21
تذييل: أهمية أرسطو في الهرمنيوطيقا الحديثة
المعرفة العملية
Phronesis
إذا كان لب المشكلة الهرمنيوطيقية هي أن التراث الواحد ينبغي أن يعاد فهمه مرة أخرى بطريقة مختلفة، فإن المشكلة من الوجهة المنطقية تتعلق بالصلة بين الكلي والجزئي، الفهم إذن هو حالة خاصة من تطبيق شيء عام على موقف خاص، الأمر الذي يجعل علم الأخلاق الأرسطي ذا أهمية وصلة بالنسبة لنا، صحيح أن أرسطو لم يكن معنيا بمشكلة الهرمنيوطيقا، ولا سيما بعدها التاريخي، بل بالتقدير السليم للدور الذي يتعين على العقل أن يضطلع به في الفعل الأخلاقي، غير أن ما يهمنا في هذا المقام هو بالتحديد أن أرسطو كان معنيا بالعقل والمعرفة غير منفصلين عن الكائن الإنساني في صيرورته الدائمة، بل محددين لذلك الكائن ومحددين به، لقد خفف أرسطو من حدة النزعة الذهنية عند سقراط وأفلاطون حين شرع في استقصاء مسألة الخير، وبذلك أصبح أرسطو هو مؤسس علم الأخلاق كمبحث مستقل عن الميتافيزيقا.