يعني ذلك من الوجهة المنهجية أن المرء لا يسعى إلى أن يكون سيدا على النص بل أن يكون «خادما» له، ولا يحاول أن يلاحظ ويرى ما في النص بقدر ما يتبع ما يقال بواسطة النص ويشارك فيه ويصغي إليه، وهنا يتلاعب جادامر بالعلاقة بين الاستماع والانتساب والخدمة التي توحي بها كلمة
Zugehorigkeit (الانتماء)، يذهب جادامر إلى أن السمع أهم من البصر وأكثر قوة، «فلا شيء يمكن أن يند عن السمع من خلال اللغة.» لماذا كان ذلك؟ لأنه من خلال السمع، من خلال اللغة، يجد المرء منفذا إلى «اللوجوس»، إلى العالم الذي ننتمي إليه. هذا بالتحديد ما يمنح الخبرة التأويلية أهميتها بالنسبة للحياة الحاضرة للمفسر، هذه الموضوعية الخاصة التي تتحلى بها اللغة والتي تجعلها قادرة على كشف اللثام عن الأشياء كما هي، وهذه الأبعاد الأعمق للغة والتي تستمد منها قوتها على كشف الأشياء في وجودها، هي ما يضفي على اللغة تلك العمومية الأنطولوجية التي تجعل الخبرة التأويلية خبرة كشف أنطولوجي مفصح بصورة مباشرة، هذا هو السبب الذي يجعل بمكنة التراث أن يخاطبنا، لا مصادفة ولا بهرجة، بل بطريقة تؤثر علينا مباشرة وتعني شيئا معينا بالنسبة لنا.
20
نخلص من ذلك إلى أن المنهج الملائم للموقف التأويلي الذي يضم المفسر والنص هو المنهج الذي يضع المفسر في حالة انفتاح تسمح بأن يخاطبه التراث، إنها حالة توقع وتحسب وانتظار لشيء ما أن يحدث، يدرك المفسر في هذه الحالة أنه ليس عارفا يلتمس موضوعه ويمتلك زمامه ويقتنيه عن طريق اتباع منهج يطلعه على جلية النص ويكشف له ما يعنيه حقا ويهيب به أن يترك تحيزاته جانبا وينظر بعقل مفتوح نظرة موضوعية خالصة، لا، ليس هذا منهج جادامر في التأويل، فالتأويل عند جادامر هو أن يكبح المفسر رغبته في التسلط والتسيد على النص، وأن يضع نفسه في حالة تلقي «خبرة» لا معرفة، فاللقاء بالنص ليس استيعابا تصوريا لشيء ما، بل هو «حدث» فيه ينفتح عالم ما أمام المفسر، وحيث إن كل مفسر يقف في أفق جديد فالحدث الذي يجري، لغويا، في الخبرة الهرمنيوطيقية هو شيء جديد يبزغ، شيء لم يكن موجودا من قبل، في هذا الحدث القائم على الصبغة اللغوية، والمتاح من خلال اللقاء الجدلي بمعنى النص، تتحقق الخبرة الهرمنيوطيقية وتبلغ تمامها.
خاتمة
في «الحقيقة والمنهج» بلغ جادامر بالهرمنيوطيقا مستوى جديدا من الشمول والإحاطة، لقد جهد كل من دلتاي وإميليو بتي من أجل تأسيس هرمنيوطيقا عامة وشاملة للعلوم الإنسانية، فماذا عن العلوم الطبيعية؟ هل تتطلب فهما من نوع مختلف؟ لقد خلص الاثنان إلى أن تفسير نص منحدر إلينا تاريخيا يتطلب فعلا من الفهم التاريخي متميز تماما عن الفهم الذي يمارسه العالم الطبيعي، أما جادامر فقد رفض هذا التمييز لأنه لم يعد يتصور الهرمنيوطيقا كشيء مقصور لا على النص ولا على العلوم الإنسانية.
الفهم، عند جادامر، هو دائما حدث لغوي جدلي تاريخي، سواء كان ذلك في مجال العلوم أو في الإنسانيات أو في فن الطهي، والهرمنيوطيقا هي أنطولوجيا الفهم وفينومينولوجيا الفهم أيضا. الفهم ليس فعلا للذاتية الإنسانية، كما يفترض التصور التقليدي، بل هو الطريقة الأساسية لوجود الدازاين (الآنية) في العالم، أو أسلوبه في الوجود. الفهم ليس شيئا يفعله الإنسان بل هو شيء يكونه، ومفاتيح الفهم ليست التلاعب والسيطرة بل المشاركة والانفتاح، ليست المعرفة بل الخبرة، ليست الميثودولوجيا (المنهج) بل الديالكتيك (الجدل)، وليست غاية الهرمنيوطيقا عند جادامر أن تقدم قواعد للفهم «الصائب موضوعيا» بل أن تتصور الفهم نفسه بطريقة شاملة محيطة قدر المستطاع. لم يكن ما يشغل جادامر هو الفهم الأكثر صوابا (وبالتالي تقديم معايير للتأويل الصحيح) شأن ناقديه بتي وهيرش، بل الفهم الأكثر عمقا، الأكثر أصالة.