تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا يبرهن جادامر على مبدأ وحدة اللغة والفكر نفسه، ومبدأ الصبغة غير التأملية لعملية تكوين الكلمات، وكلا المبدأين يرفض فكرة اللغة كعلامة، اللغة عند جادامر ظاهرة شاملة محيطة، كالفهم نفسه، ومن المحال الإمساك بها كواقعة أو موضعتها على نحو كامل، اللغة، شأنها شأن الفهم، تغمر كل شيء وتحيط بكل شيء يمكن أن يصبح موضوعا لنا، وقد لاحظ جادامر أن اليونانيين الأوائل لم يكن لديهم كلمة أو تصور للغة نفسها، فاللغة، شأنها شأن الوجود والفهم، هي «وسط» وليست أداة، ويوجز جادامر رأيه عن الشكل، وعن وحدة الفكر واللغة والفهم، وعن خفاء اللغة ولا شعوريتها فيقول: «اللغة التي تحيا في الكلام، اللغة التي تغمر كل شيء وتحيط بكل فهم وتحيط بكل مفسري النصوص، تلتحم بعملية الفكر (ومن ثم بالتأويل) التحاما، بحيث لا يبقى في يدنا شيء لو أننا انصرفنا عما تسلمنا إياه اللغة في المضمون وأردنا التفكير في اللغة كشكل، لم تزل لا شعورية اللغة هي أسلوبها الحقيقي الأصيل في الوجود.»

18 (3-3) اللغة وكشف العالم

إذا كانت وظيفة اللغة ليست الإشارة إلى الأشياء، وإذا كان اتجاه اللغة لا يمضي من الذات، عبر العلامة/الأداة، إلى الشيء المسمى، فنحن إذن بحاجة إلى تصور للغة ووظيفتها يمضي في الاتجاه الآخر: من الشيء أو الموقف - عبر اللغة - إلى الذات، وقد قيض جادامر لهذا الغرض مفهوم الكشف أو التمثيل؛ فاللغة تكشف لنا عالمنا (ولا نعني بعالمنا بيئتنا التي يتناولها العلم بل نعني عالمنا الحياتي)، ولكي نفهم تصور جادامر للغة علينا أولا أن نذكر ما يعنيه بالعالم؛ لأن اللغة عنده هي التي تخلق إمكانية أن يكون للإنسان عالم.

والعالم غير البيئة، فالإنسان وحده هو من لديه عالم، «يتعين على المرء لكي يكون له عالم أن يكون قادرا على أن يحتفظ أمامه بفضاء مفتوح يتسنى فيه للعالم أن يتكشف له كما هو، أن تمتلك عالما يعني في الوقت نفسه أن تمتلك لغة.» الحيوانات مثلا ليس لديها عالم، وليس لديها لغة، من المؤكد أن الحيوانات يفهم بعضها بعضا بطريقة ما، ولكن هذا ليس لغة (اللهم إلا عند رجل العلم الذي يعتنق نظرة أداتية محضة إلى اللغة بوصفها علامة)، فاللغة بوصفها القدرة على فتح فضاء يكشف فيه عالم عن نفسه هي شيء لا يملكه الحيوان، فالحيوانات، على سبيل المثال، لا يمكنها استخدام جهازها التواصلي في الوصول إلى «فهم» حول موقف أو حدث في الماضي أو المستقبل، وحدها اللغة، بقوتها الحقيقية على تأسيس عالم، يمكنها أن تفعل ذلك.

من بالغ الخطأ أن ننظر إلى هذا «العالم» على أنه من ممتلكات الذات أو مقتنياتها، فهذا خطأ يسم ويميز التفكير الحديث المرتكز على الذاتية، إنما العالم شيء «بين ذاتي»

Intersubjective

و«عبر شخصي»

Transpersonal

وكذلك اللغة، ولما كانت اللغة مصنوعة لتلائم العالم فهي مهيأة للعالم وليس لذاتيتنا، بهذا المعنى (وليس بالمعنى العلمي) تكون اللغة شيئا موضوعيا.

العالم إذن ليس شيئا لا شخصيا، ولا هو دائرة مغلقة على فرد معزول كأنها بالون هائل من إسقاط عقله وإدراكاته، والأقوم أن ننظر إلى العالم على أنه «بين الأشخاص»، إنه الفهم المشترك بين الأشخاص والوسط الحامل لهذا الفهم، والشيء الذي يتيحه ويجعله ممكنا هو اللغة، واللغة، بوصفها مجال تفاعل متبادل، ليست في حقيقتها «أداة» مشيدة من أجل الفهم، فلو كان الأمر كذلك لكان الإنسان يعيش في نطاق أشبه بنطاق الفهم القائم بين الحيوانات، إنما الفهم في حالة الإنسان هو فهم لغوي، ومن ثم فالذي بين الناس هو «عالم»، العالم إذن هو أرض مشتركة يميزها كل شخص وتربط بين كل من يتواصل في إطارها.

وحيث إن الفضاء المفتوح الذي يعيش فيه الإنسان هو مجال الفهم المشترك الذي تخلقه اللغة بوصفه عالما، فمن البين إذن أن «الإنسان يعيش في اللغة». «ما كانت اللغة مجرد شيء مثبت يصادفه الإنسان في عالمه، إنما في اللغة ومن خلال اللغة يتسنى للإنسان أن يمتلك عالما على الإطلاق.» يعني ذلك أن كلا من اللغة والعالم يند عن التحول الكامل إلى «موضوع»

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٠١