6
ويؤكد هربرت ريد الصبغة المعرفية للفن، ويرى أن الهدف الأسمى للفنان، مثله مثل رجل العلم، إنما هو تقرير حقيقة، فالفن ليس مجرد تجسيم لبعض العواطف كما تقول النظرية التعبيرية، والأعمال الفنية الكبرى في التاريخ لم تكن أعمالا كبرى بفضل مضمونها التعبيري، بل بفضل الحقائق الوجدانية الكلية التي استطاعت أن تجسدها، وهي حقائق موضوعية قابلة للتحقق منها
verifiable
شأنها شان حقائق العلم إلا أنها تتناول المضمون الوجداني للعالم، فالعمل الفني «واقعة» إستطيقية وأثر «واقعي»، وهو بوصفه شكلا مدركا يعد «مقابلا موضوعيا» للانفعال أو الفكرة أو الحدس، وتحققا عينيا لحالة من حالات الشعور، ومن هنا قابليته للتحقق، وآية الصدق في المجال الفني هو دقة الرمز وانضباطه والتحامه التام بمعناه.
إن نقاط الالتقاء لا تخفى بين هربرت ريد وسوزان لانجر وتيودور جرين، وتكاد آراؤهم حول الحقيقة الفنية أن تكون صياغات مختلفة للتصور نفسه، وهي صياغات تتسق مع مذهب بل وفراي برغم الوهم القائل بأن الشكلية تعفي الفن من مئونة «الحقيقة» ما دامت الشكلية تنفي وجود أي ارتباط بين الفن والحياة، يقول كلايف بل في فصل «الفرضية الإستطيقية»: «وربما يذهب بي الظن أحيانا إلى أن مدركي الفن ومدركي الحلول الرياضية قد يكونون أكثر قربا وأوثق صلة حتى من ذلك، فأتساءل: قبل ان يأخذنا انفعال إستطيقي تجاه تجمع من الأشكال، ترانا ندرك بالفكر صواب هذا التجمع وضرورته؟ فإن صح ذلك فهو حري أن يفسر واقعة أننا إذ نمر سراعا خلال غرفة فنحن نميز جودة إحدى اللوحات رغم أننا لا نستطيع أن نقول إنها أثارت فينا انفعالا كبيرا، فيبدو أننا نكون قد تبينا بالفكر صواب الأشكال باللوحة دون أن نتريث لنركز انتباهنا ونقبض على دلالتها الانفعالية كيفما كانت، فإذا كان الأمر كذلك فإن لنا أن نتساءل ما إذا كانت الأشكال ذاتها هي ما أدى إلى الانفعال الإستطيقي أم إدراكنا لصواب الأشكال وضرورتها.»
7
إن الحقيقة الفنية، في واقع الأمر، هي مسألة قتلها بل بحثا وفصلها تفصيلا (انظر فصل «الفرضية الإستطيقية» وفصل «التبسيط والتصميم») وكان مستبقا فيها لآراء المفكرين الثلاثة المذكورين وملهما لهم، غير أن صرامته المنطقية جعلته يفصل بين اليقين والتخمين - بين نطاق الإستطيقا ونطاق الميتافيزيقا.
فليحمل العمل الفني من الحقائق ما وسعه أن يحمل، ولينقل من المعارف ما شاء أن ينقل، فالمعرفة والحقيقة، ككل شيء آخر يعبر عنه الفن، لا بد أن ترتبطا ارتباطا وثيقا بالقوام الحسي والعرض الشكلي للعمل، إن الفن لن ينافس العلم في مضماره، إنما تلح الشكلية على أن يكون الفن فنا - أي شكلا دالا - كيما يتسنى له أن يقبض على الحقيقة التي يعجز العلم عن القبض عليها.
الفصل الرابع
| الفن الحديث
إنها لأبصار ثاقبة حقا تلك التي استطاعت أن تلمح قبل بزوغ القرن الجديد أن سيزان قد أسس حركة.
كلايف بل
إن بومة منرفا لا تبدأ في التحليق إلا عندما يحل الغسق.
هيجل
يعد الاتجاه الشكلي في الإستطيقا بمثابة تأصيل نظري للفن الحديث، فالإبداع دائما سابق على التأمل النظري، والعمل الفني الأصيل هو قانون نفسه ومشرع ذاته، فهو يخلق نظريته ولا تخلقه النظرية، ونحن في الأغلب الأعم لا نفهم الأحداث إلا استعادة
in retrospect ، ولا نعي ما جرى إلا بعد أن يتم ويكتمل ويبهظ، ويكاد يفقأ عين كل أوديب منا، إنها بومة منرفا لا تشرع في تحليقها إلا بعد انقضاء النهار، أو هي «الحكمة» لا تنعم بحضورها إلا «بعد الحفل»
post-festum . (1) الانطباعية
Impressionism
كان الفن في أواسط القرن التاسع عشر في سبات أقرب إلى الاحتضار، وكان الشطر الأكبر من اللوحات الفنية يهدف إلى المحاكاة الأمينة والترديد الحرفي للمرئيات الطبيعية الجميلة؛ لشخصيات مليحة، وشواطئ ساحرة، ومناظر ريفية خلابة.