وقد أكد دي سوسير فكرة اعتباطية العلامة ورسخها ترسيخا نهائيا، وبين أن «الرمز» ليس اعتباطيا تماما؛ فهو ليس فارغا بل هناك جذر رابطة طبيعية فيه بين الدال والمدلول؛ فرمز العدالة - الميزان - لا يمكن استبداله اعتباطا بأي رمز آخر - كالعربة مثلا.
4
وأسهب طودوروف في بيان الفرق بين العلامة والرمز، أما سوزان لانجر فقد ميزت تمييزا واضحا بين الرموز والعلامات، فذهبت إلى أن «العلامة»
signs (مثل ألفاظ اللغة وإشارات المرور ... إلخ) هي شيء نعمل بمقتضاه أو وسيلة لخدمة الفعل، وأن علاقتها بمعناها علامة اتفاقية غير ضرورية، فهي مستقلة عن معناها، تشير أو تحيل إليه ثم لا يعدو شأوها أكثر من ذلك، أما «الرمز»
symbol (مثل الأسد والصليب وغصن الزيتون والميزان ... إلخ) فهو أداة ذهنية أو مظهر من مظاهر فعالية العقل البشري، إنه شكل كلي مستقل بذاته ملتحم بمعناه لا يحيل إلى أي شيء خارجه، وبهذا المعنى تكون الآثار الفنية رموزا حقيقية تنطوي على معان أو دلالات؛ فالعمل الفني هو لغة رمزية تنقل إلينا عيانا مباشرا وتحمل تعبيرا حيا وتحيطنا علما بحقيقة وجدانية. والوظيفة الأولى للفن هي تحويل الوجدان إلى حقيقة موضوعية ماثلة بحيث يكون بوسعنا أن نتأمله ونفهمه، والوجدان الذي يعبر عنه العمل الفني وجدان مباشر لا ينفصل عن العمل، شأنه في ذلك شأن المعنى الكامن في المجاز الحقيقي، أو القيمة الماثلة في الأسطورة؛ ومن ثم فنحن لا نتحدث عادة عن الوجدان الذي يعنيه العمل الفني ويشير إليه، بل نتحدث عن الوجدان الكامن في العمل الفني كحالة باطنة في أعماقه.
5 (3) الحقيقة الفنية
الفن إذن أداة من أدوات الكشف عن الحقيقة، ووسيلة رمزية للمعرفة، والرسالة التي يبثها إلينا الفن أعمق من أن تكون لذة حسية عابرة أو متعة جمالية زائلة، فالعمل الفني لغة رمزية لها معنى ودلالة، ويبدو أن اللذة الإستطيقية هي شيء قريب من الإشباع أو الرضا الذي يقترن عادة بعملية الكشف عن الحقيقة، وليس من المستبعد تماما أن تكون اللذة مجرد «نتاج ثانوي»
byproduct
للكشف أو «ظاهرة مصاحبة»
epiphenomenon ، فكما أن العلم يكشف لنا بعض مضامين العالم وينقلها إلى مجال المعرفة الموضوعية، فإن الفن يقوم بدور مماثل ، ولكن في مجال المضمون الوجداني للعالم، إن حدود اللغة ليست هي الحدود النهائية للتجربة، والأشياء التي لا تقوى اللغة على التعبير عنها قد تملك صورها الخاصة القابلة للتصور؛ نظرا لما تنطوي عليه من إشارات رمزية خاصة.
ومجمل القول: إن العمل الفني يكشف عن «حقيقة فنية»، والحقيقة الفنية في رأي سوزان لانجر هي صدق الرمز في التعبير عن أشكال الوجدان، وهي في ذلك تقترب من رأي الأستاذ ت. م. جرين
T. M. Greene
الذي دافع بشدة عن فكرة «الحقيقة الفنية»، وجعل للفن مهمة معرفية شأن العلم والفلسفة، وذهب إلى أن الفنان يكمل العلم عن طريق كشفه لحقائق لا يستطيع العلم التوصل إليها أبدا.
يرى جرين أن العمل الفني يمكن أن يكون صحيحا أو باطلا بالمعنى نفسه الذي تكون به القضية العلمية صحيحة أو باطلة، ويخضع لمعيار «الاتساق»
cosistency
و«التطابق» (التناظر)
correspondence
شأنه شأن قضايا العلم، وتأويل ذلك، عند جرين، أن القضايا تنقل المعاني والحقائق عن طريق «وسيط»
medium
معين يتيح الاتصال بين ذات وأخرى، وليس من الضروري أن يكون هذا الوسيط لفظيا تصوريا، فمن الممكن أن نجد قضايا (أي نجد ما يذهب الفنان إلى أنه صواب أو حق في موضوعه) في وسائط كالتصوير والموسيقى ... إلخ، إن الفن يعبر عن قضايا حقيقية يقول بها على طريقته ما لا يمكن للعلم أن يقوله.
وما دام الفن يقدم معرفة حقيقية - ويقول (يقرر) قضايا حقيقية، فهو من ثم خاضع لمعياري الاتساق والتطابق، على طريقته أيضا، والاتساق في العمل الفني هو أن يستغل العمل إمكانات الوسيط الحسي ويحترم مبادئ المعالجة الخاصة بقالبه الفني، وأن تخلو قضاياه التي يعبر عنها من التناقض فيما بينها ومن المزج الاعتباطي بين أساليب متباينة، وأن يكون في مجموعه كلا متكاملا وتعليقا معقدا متماسكا على موضوعه الذي يعمد إلى التعبير عنه، أما التطابق في العمل الفني فهو، ببساطة، تطابقه مع العالم (الخارجي أو الوجداني) شريطة اتخاذ الإطار المرجعي للفنان، والمثل الذي يضربه جرين هو تصوير سيزان للأشجار، فطريقة معالجة سيزان لهذا الموضوع تؤكد سمات معينة يتجاهلها بقية الفنانين؛ ذلك لأن سيزان يؤكد «صلابتها الثلاثية الأبعاد»، «وفي استطاعتنا أن نذهب مباشرة إلى الطبيعة، ونختبر دقة ملاحظاته المسجلة على أساس اهتمام سيزان المعرفي الخاص، فإذا اختبر الناقد ملاحظات سيزان على هذا النحو، لما تمالك نفسه من الإعجاب بموضوعية بصيرة سيزان، ولأدرك أننا بدورنا نستطيع أن نرى ما رآه سيزان.»