في قلب هذا الركود بزغت حركة قلقة مقلقة تنم على حيوية جديدة، هي حركة «الانطباعيين» الفرنسيين، أما اللفظة «انطباعية» فقد أطلقها النقاد على مجموعة من المصورين كان مونيه
Monet
فارسها الأشهر، وهي مأخوذة من عنوان لوحة رسمها مونيه عام 1872 وسماها «انطباع» كناية عن مشهد لشروق الشمس. وتمثل اللوحة شمس مدينة «الهافر» وهي تشرق وسط ضباب المدينة البحرية، ومن خلال الانعكاسات الضوئية وبعض الزوارق. كذلك يمكن تأريخ بداية الانطباعية بالوقت الذي أقيم فيه «معرض الفنانين المرفوضين»
Salon des Refusés
الذي أذن الإمبراطور نابليون الثالث بفتحه عام 1863، حيث عرض «إدوار مانيه»
E. Manet
ثلاث لوحات ضخمة أهمها لوحته الشهيرة (الغداء على الخضرة)
Déjeuner sur l’Herbe
التي أثارت ثائرة الجمهور ضده.
لم يجد عامة الجمهور في لوحة مانيه سوى صورة فتاة متجردة تجلس إلى جوار شابين كاملي الملابس، بينما جعلت صديقتها المتشحة برداء أبيض شفاف تغسل قدميها في غدير صاف ينساب بين الأشجار، ولكن يبدو أن مانيه - كما لاحظ إميل زولا - لم يكن يعلق على «موضوع اللوحة» كل تلك الأهمية التي اعتاد الجمهور أن يعلقها، فإن «الموضوع»
subject matter
لم يكن بالنسبة له أكثر من حجة أو «ذريعة»
pretext
للقيام ببعض الدراسات الفنية، أما الجمهور فلم يكن يرى من أية لوحة غير «موضوعها». كذلك لم يقدم مانيه في لوحته شخصيات تاريخية مستعارة من لوحات الأقدمين، بل صور فيها شخصيات باريسية حية مستمدة من صميم بيئته، ولم يسبغ على فتاته العارية ذلك الطهر السحري المثالي الذي اعتاد المصورون أن يسبغوه، بل صورها بصورة الأنثى التقليدية، كما أن مانيه رسم الأشكال في تلك اللوحة بطريقة الانتقال المفاجئ من الضوء إلى الظل، مستهينا بالأسلوب التقليدي في التصوير وهو الانتقال التدريجي في تجسيم الأشكال.
1
كانت تلك بدايات حيية ومفاتحات مترددة سرعان ما تبلورت في حركة واضحة وكسبت أنصارا عديدين، كان هؤلاء يولون موضوع اللوحة أهمية ضئيلة ويجعلون هدفهم هو الوصول إلى تأثير اللون والضوء والظل في موضوعات تجربتنا البصرية، وإذ انصب اهتمامهم على مظهر الضوء واللون في العالم فقد ركزوا انتباههم على السطوح الخارجية للأشياء، وقللوا من تكتل الموضوعات المصورة وصلابتها. إن انعكاس الشيء في الرسم هو عندهم حقيقة لا تقل عن حقيقة الشيء المعكوس نفسه؛ فالرؤية يجب أن تكون جديدة طازجة، والاتصال بالأشياء يجب أن يكون ملامسة حية للمعطيات الحسية في واقعها المباشر وحضورها الآني.
لقد أعاد الانطباعيون تعليم الناس كيف ينظرون إلى الأشياء من جديد، كما عملوا على صرفهم عن تعاليم فنية كثيرة. تخلى الانطباعيون عن مهمة إعادة بناء الماضي، وعن التآليف المجازية، وعن التخيلات الرمزية،
2
وأصبح يقال: «الانطباعية إنما تثير الإحساس عوضا عن إثارة المخيلة.» إن الرموز، على حد قول كلايف بل، ليست أشكالا دالة في عامة الأحوال، بل ناقلات خبر شكلية، والرموز لا يبثها انفعال الفنان بل يخترعها فكره. إنها مادة ميتة في كائن عضوي حي، وهي جاسئة مغلقة؛ لأنها غير مغمورة في إيقاع «التصميم»
design . وليست الأساطير الشارحة، التي اعتاد رسامو الصور التوضيحية أن يضعوها على أفواه شخصياتهم، بأدخل على الفن البصري من الأشكال الرمزية التي أفسد بها كثير من الرسامين القديرين تصاميمهم. «إن الفن الرمزي المحض - الفن الذي يحتاج إلى مفتاح - ما هو دائما إلا باب لخزانة، في حين أن الفن العظيم مصراع مشرع على التجربة العظيمة.»
3 (2) سيزان: ما بعد الانطباعية
Post-Impressionism
غير أن تركيز الانطباعيين على السطوح الخارجية للأشياء دفعهم إلى الإقلال من تكتل الموضوعات التي يصورونها وصلابتها، مما جعل فنهم يبدو في كثير من الأحيان خافتا مائعا رخوا مفتقرا إلى الشكل والصلابة، وفي قلب هذه البوادر الهدمية للحقيقة الواقعية في ظاهرها ولدت الحاجة إلى إعادة بناء الواقع، وقد تم ذلك على يد سيزان