تلك هي الفرضية الميتافيزيقية، هل علينا أن نبتلعها كاملة، أو نقبل بعضها، أو نرفضها كليا؟ على كل شخص أن يقرر ذلك بنفسه، فأنا لست مصرا إلا على صحة فرضيتي الإستطيقية، كما أنني متيقن من شيء واحد آخر. إن أولئك الذين يبلغون النشوة (الوجد)، وليكونوا فنانين أو عاشقين أو متصوفة أو رياضيين، هم أولئك الذين حرروا أنفسهم من الكبر والغطرسة البشريين، فمن شاء أن يحس دلالة الفن فعليه أن يتضع أمامه، أما أولئك الذين يرون الأهمية الأولى للفن أو الفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو بالنفع العملي، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو كسبيل مباشر إلى الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما يمكن أن يمنحه، وأيا ما كان عالم التأمل الإستطيقي فما هو بعالم المشاغل والأهواء البشرية، إنه عالم لا تسمع فيه لغو الوجود المادي وصخبه، أو تسمعه كمجرد صدى لتوافق آخر أكثر جوهرية. ••• «ما هكذا الأمر»، كذلك يرد القديسون والفنانون وعقليو كمبردج وكل ذي معدن طيب؛ لأنهم يشعرون بأن عواطفهم الدينية والجمالية والأخلاقية ليست مشروطة بشكل مباشر أو غير مباشر بحاجات جسمية، ولا هي في الحقيقة مشروطة بأي شيء في العالم الفيزيائي. إنهم يحسون أن بعض الأشياء خير لا لأنها وسائل إلى الهناءة الجسمية، بل لأنها خير في ذاتها، فليست قيمة النشوة الإستطيقية أو الدينية متوقفة بأي حال على ما تقدمه من إشباع جسمي، ثمة أشياء في الحياة لا يمكن لقيمتها أن تتعلق بالعالم الفيزيائي، أشياء قيمتها ليست نسبية بل مطلقة، عن هذه الأمور أتحدث بحذر ودون سلطة: ولا يعوزني في غرضي المباشر - وهو أن أعرض تصوري للشخصية الدينية - سوى أن أقول إن من الناس من يبدو لهم التصور المادي للعالم مفسرا لتلك العواطف التي يحسونها بيقين أعلى ونزاهة مطلقة، حقيقة الأمر هي أن رجال العلم بعد أن دفعوا بنا إلى عادة محاولة تبرير مشاعرنا وحالاتنا الذهنية بردها إلى العالم الفيزيائي، قد حملوا بعضنا بالترهيب على أن يعتقدوا بأن ما لا يمكن تبريره بهذه الطريقة فهو غير موجود.
إنني أدعوه دينيا ذلك الإنسان الذي يوقن أن هناك أشياء هي خير في ذاتها وأن الوجود الفيزيائي ليس من بينها، فيسعى على حساب الوجود الفيزيائي إلى ما يبدو له خيرا؛ ومن ثم فإن كل أولئك الذين يعتقدون بإخلاص عنيد أن الحياة الروحية أهم من الحياة المادية، هم في فهمي دينيون. لقد رأيت في باريس على سبيل المثال رسامين صغارا، مفلسين ضامرين مقرورين مهلهلي الثياب، وليست زوجاتهم ولا أولادهم بأفضل منهم حالا؛ رأيتهم طيلة يومهم في نشوة محمومة منغمسين في رسم لوحات لا يؤمل لها رواج، ومن الجائز تماما أنهم كانوا حريين بأن يقتلوا أو يصيبوا أي شخص يقترح عليهم التوفيق بين فنهم ومتطلبات السوق، وحين كانت أدواتهم تنفد ورصيدهم ينقطع بالكامل كانوا يبيعون الجرائد خفية ويمسحون الأحذية حتى يمكنهم أن يواصلوا خدمة ولوعهم المسيطر. لقد كانوا دينيين بامتياز، فجميع الفنانين دينيون، وكل اعتقاد عنيد هو اعتقاد ديني. إن إنسانا تملكه حب الحقيقة بحيث آثر السجن أو الموت على الاعتراف بإله لا يؤمن بوجوده، هو إنسان ديني وشهيد في سبيل الدين، شأنه شأن سقراط ويسوع؛ ذلك أنه جعل لقيمه معيارا خارج العالم الفيزيائي.
يقال في مجال الأشياء المادية إن نصف رغيف خير من انعدام الخبز، لكن الأمر في مجال الأشياء الروحية غير ذلك، إن رجل السياسة سوف يؤيد مشروع قانون يعرف قصوره إذا ما رأى أن هذا القانون قد يعود بفائدة ما، إنه يدلي باعتراضاته ثم يصوت مع الأغلبية، وربما يكون تصرفه سليما، أما في المسائل الروحية فمثل هذه التسويات غير ممكنة. إن الفنان لا يسعه أن يقدم تنازلا لكي يرضي الجمهور؛ لأنه إذا فعل ذلك يكون قد ضحى بالشيء الذي يجعل للحياة قيمة، فإذا كان عليه أن يكذب ويعبر عن شيء غير ما يشعر به فلن يعود مسكونا بالحقيقة، وماذا يجديه أن يربح العالم كله ويخسر روحه الخاص؟ إنه يعرف أن في دخيلته شيئا أهم من الوجود الفيزيائي، شيئا ليس الوجود الفيزيائي إلا وسيلة إليه؛ فوجود احتمال بأن يحس هذا الشيء ويعبر عنه يجعل من الخير له أن يتشبث بالحياة، ولكنه ما لم يشعر بهذا الشيء ويعبر عنه على خير وجه فمن الأفضل له أن يموت. •••