تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما هي دلالة أي شيء بوصفه غاية في ذاته؟ ما الذي يتبقى عندما نجرد شيئا ما من جميع ارتباطاته؟ ماذا عساه أن يتبقى لكي يثير انفعالنا؟ ماذا غير ذلك الذي درج الفلاسفة على تسميته «الشيء في ذاته»

the thing in itself

ويسمونه الآن «الواقع النهائي»

ultimate reality ؟ هل أكون خياليا تماما إذا اقترحت ما اعتقده نفر من أعمق المفكرين من أن دلالة الشيء في ذاته هي دلالة «الواقع»

Reality ؟ هل من المحتمل ان يكون جواب سؤالي «لماذا نطرب كل هذا الطرب لتجمعات معينة من الخطوط والألوان؟» هو «لأن بقدرة الفنانين أن يعبروا بتجمعات الخطوط والألوان عن انفعال نحو الواقع يكشف عن نفسه من خلال الخط واللون»؟ •••

يتخيل السوقة أن ليس هناك سوى بؤرة واحدة؛ وهي أن «صواب» تعني دائما تحقيق تصور دقيق للحياة، وليس بإمكانهم أن يفهموا أنه قد تكون المشكلة المباشرة للفنان هي أن يعبر عن نفسه داخل مربع أو دائرة أو مكعب، أو أن يساوق توافقات هارمونية معينة، أو أن يوفق بين تنافرات معينة، أو أن يحقق إيقاعات معينة، أو أن يقهر صعوبات معينة خاصة بالوسيط

medium ، وهي مشكلات تقف على قدم المساواة مع مشكلة اقتناص مشابهة، هذا الخطأ يقع في الصلب من النقد السخيف الذي جعله الأستاذ شو موضة الكتابة . إن في مسرحيات شكسبير تفاصيل من السيكولوجيا ورسم الشخصيات شديدة الواقعية بحيث تذهل الجموع وتسحرهم، ولكن التصور

conception ، ذلك الشيء الذي نذر شكسبير نفسه لتحقيقه، لم يكن تمثيلا طبق الأصل للحياة، لا لم يكن خلق الإيهام

illusion

هو المشكلة التي اتخذها شكسبير قناة لانفعاله وبؤرة لطاقاته، لم يكن عالم مسرحيات شكسبير بأي حال من الأحوال شبيها بالحياة قدر عالم السيد جولزورثي

Galsworthy ؛ ومن ثم يحق لأولئك الذين تخيلوا أن مشكلة الفنان يجب أن تكون دائما هي تحقيق تطابق بين الكلمات المطبوعة أو الأشكال المرسومة وبين العالم كما يعرفونه؛ يحق لهم أن يحكموا بأن مسرحيات شكسبير أدنى مستوى من مسرحيات السيد جولزورثي، حقيقة الأمر أن تحقيق الصدق الواقعي، وهو ليس المشكلة الوحيدة الممكنة بأية حال، يتنازع هو وتحقيق الجمال (الملاحة) على نيل لقب أسوأ المشكلات الممكنة. إن التشبه بالحياة أمر سهل بحيث إن الاكتفاء به يترك أعلى قوى الفنان الانفعالية والفكرية عاطلة ولا يستنفرها أبدا أو يهيب بها، وبالضبط كما أن المشكلة الإستطيقية شديدة الغموض فإن المشكلة التمثيلية شديدة البساطة. •••

ما هي إذن زبدة القول في هذا الأمر كله؟ إنها في اعتقادي لا تزيد على هذا، يؤدي تأمل الشكل الخالص إلى حالة من النشوة العالية غير العادية وإلى انسلاخ تام عن هموم الحياة، عن هموم أثق أنها (وإنني لأتحدث عن نفسي) كثيرة جدا. إن من المغري أن نفترض أن الانفعال الذي يطرب هو شيء يوصله إلينا من خلال الأشكال التي نتأملها ذلك الفنان الذي أبدع الأشكال، فإذا صح هذا فإن الانفعال الموصل، أيا ما كان هذا الانفعال، لا بد أن يكون من ذلك الصنف الذي يمكن أن يعبر عنه في أي ضرب من ضروب الشكل؛ في لوحات، منحوتات، مبان، آنية، نسيج ... إلخ، الانفعال الذي يعبر عنه الفنان إذن يحل في بعض هذه الأشكال؛ ومن ثم فهي تؤثر فينا من خلال فهم الدلالة الشكلية للأشياء المادية، وما الدلالة الشكلية لأي شيء مادي سوى دلالة ذلك الشيء معتبرا كغاية في ذاته، ولكن إذا كان من شأن موضوع ما إذ ينظر إليه كغاية في ذاته أن يهزنا بعمق أكبر (أي تكون له دلالة أكبر) مما لو نظرنا إليه هو نفسه بوصفه وسيلة إلى غايات عملية أو كشيء متصل بالاهتمامات البشرية - وهو وجه الأمر بلا شك - فلا يسعنا إلا أن نفترض أننا متى نتأمل أي شيء كغاية في ذاته نصبح على وعي بتلك الخاصة الأبقى في ذلك الشيء من أي خاصة يمكن قد اكتسبها من دوام صحبته ببني الإنسان، وبدلا من أن نميز أهميته العرضية والمشروطة، فنحن نغدو على وعي بواقعه الجوهري، على وعي بالإله في كل شيء، بالكلي في الجزئي، بالإيقاع الذي يغمر الكل، فلتطلق عليه ما شئت من أسماء، فالشيء الذي أتحدث عنه هو ذلك الذي يقبع وراء المظهر من جميع الأشياء، ذلك الذي يضفي على جميع الأشياء دلالتها الفردية، الشيء في ذاته، الواقع النهائي، وإذا كان إدراك معين (لاشعوري تقريبا) لهذا الواقع الكامن للأشياء المادية هو حقا سبب ذلك الانفعال الغريب، ذلك الولوع بالتعبير الذي هو إلهام كثير من الفنانين، فمن المعقول أن نفترض أن أولئك الذين يخبرون نفس الانفعال دون عون من الأشياء المادية، قد وصلوا من طريق آخر إلى البلد نفسه.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٤٠