تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن ننقد عملا من أعمال الفن نقدا تاريخيا هو أن نتصرف بسخف من أسكره العلم، فلم يحدث قط أن صدر عن دماغ مشعوذ نظرية أكثر شؤما من نظرية التطور في الفن. إن جوتو لم يزحف، يرقة، حتى يرفرف تيتيان فراشة. إن من إساءة الفهم لفن شخص ما أن نعتبره مؤديا إلى فن شخص آخر، فإطراء عمل فني أو تسفيهه أو الاهتمام به لأنه يؤدي أو لا يؤدي إلى عمل فني ثان، هو بمثابة اعتباره شيئا آخر غير عمل فني؛ فقد تكون للصلة بين عمل فني وآخر شأن كبير بالتاريخ، ولكن هيهات أن يكون لها شأن بالتذوق الفني، فما إن نشرع في النظر إلى عمل ما دون اعتباره غاية في ذاته حتى نكون قد غادرنا عالم الفن، فرغم أن التطور في فن التصوير من جوتو إلى تيتيان قد يكون ذا أهمية من الوجهة التاريخية، فما كان له أن يؤثر على القيمة الفنية لأية لوحة معينة، فذاك أمر غير ذي بال على الإطلاق من الوجهة الإستطيقية. إن كل عمل من أعمال الفن ينبغي أن يقيم وفق حالته الموضوعية ودون تأثر بأي اعتبارات أخرى. •••

اعمر الكوكب الموحش بعقل إنساني واحد، يصبح كل جزء من هذا الكوكب ذا قيمة كامنة كوسيلة؛ لأنه قد يكون وسيلة إلى ذلك الشيء الذي هو خير كغاية؛ أعني حالة ذهنية خيرة. إن الحالة الذهنية لشخص في حالة حب أو مستغرق في التأمل تكفي في ذاتها، فنحن لا نعود نتساءل «أي غرض نافع تقدمه هذه الحالة، أي شخص تفيده، وكيف؟» بل نقول بمباشرة واقتناع: «هذا خير.» •••

حين تعد أي شيء عملا فنيا، فإنك إذن تقيم حكما أخلاقيا خطيرا؛ لأنك بذلك تعده وسيلة مباشرة وفعالة إلى الخير بحيث لا نحتاج إلى أن نكرث أنفسنا بأي شيء من نتائجه المحتملة، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فإن عادة إقحام اعتبارات أخلاقية في عملية الحكم بين أعمال فنية معينة لن يكون لها ما يبررها، فليقم الداعية الأخلاقي حكما على الفن ككل، وليقيض له ما يرى أنه مكانه الصحيح بين وسائل الخير، ولكن إذا كان المقام مقام أحكام إستطيقية؛ أي أحكام مقارنة بين أعضاء فئة واحدة، أي بين الأعمال الفنية بوصفها أعمالا فنية، فليمسك هذا الداعية لسانه. إن الفن مساو لأعظم الوسائل إلى الخير، ولو ظن الداعية الأخلاقي أن الفن أقل من ذلك بأي شيء فقد أخطأ، ولو سلمنا على سبيل الموادعة أن الفن أدنى من بعض هذه الوسائل فسوف أذكره رغم ذلك أن أحكامه الأخلاقية حول قيمة أعمال فنية معينة لا شأن لها بقيمتها الفنية، ليس من حق الحكم في إبسوم أن يغمط الفائز في الدربي حقه لمصلحة الحصان الذي جاء قبل الأخير، لا لشيء إلا لأن هذا الحصان هو لأسقف بروجهام كنتربري.

عرف الفن كما تهوى، مؤثرا أن يكون ذلك وفقا لما طرحته من أفكار، وأنزله المنزلة التي تشاء في النسق الأخلاقي، ثم فاضل بين الأعمال الفنية حسب امتيازها بتلك الخاصية أو تلك الخصائص التي وضعتها في تعريفك باعتبارها الخصائص الجوهرية والمميزة للأعمال الفنية. قد تقيم بالطبع أحكاما أخلاقية حول أعمال معينة، ليس بوصفها أعمالا فنية بل بوصفها أعضاء في فئة أخرى، أو بوصفها أجزاء مستقلة وغير مصنفة من العالم، وقد ترى أن لوحة معينة لرئيس الأكاديمية الملكية هي وسيلة أعظم إلى الخير من إحدى لوحات نادي الفن الإنجليزي الجديد بكل مجده، وأن كعكة بقرش هي أفضل من الاثنتين، فأنت في مثل هذه الحالة إنما تقيم حكما أخلاقيا لا حكما إستطيقيا؛ ومن ثم سيكون من الصواب أن تأخذ بالاعتبار مساحة القماشة، وسمك الإطار والقيمة الممكنة لكل منها كوقود أو وقاء من تقلبات مناخنا القاسية، وعليك في عملية جمع الحسابات ألا تغفل آثارهما الممكنة على الكهول الذين يزورون برلنجتون هاوس وصالة عرش سافوك ستريت، وألا تغفل أيضا ضمائر أولئك الذين يمسون موارد الأوقاف أو أولئك الذين تدفعهم الرغبة في الربح إلى المحاكاة والتقليد؛ إنك عندئذ تقيم حكما أخلاقيا لا حكما إستطيقيا، وإذا كنت قد خلصت إلى أن كلتا اللوحتين ليست عملا فنيا، فأنت رغم مظنة تضييع وقتك ستكون بمنأى من السخرية، ولكن حين تتعامل مع لوحة بوصفها عملا فنيا تكون قد أقمت - ربما على نحو لاشعوري - حكما أخلاقيا أهم بكثير، لقد أدرجتها في فئة من الأشياء تعد وسائل قوية ومباشرة إلى النشوة الروحية بدرجة تمحي إلى جانبها جميع المزايا الصغرى، ورغم المفارقة الظاهرة، فإن الخصائص الوحيدة ذات الصلة بالعمل الفني بوصفه عملا فنيا هي الخصائص الفنية، فنحن إذا خصلنا إلى أن الخصائص الفنية هي وسيلة إلى الخير، فإن أي خصائص أخرى تغدو غير ذات بال، فليس ثمة خصائص تفوق الخصائص الفنية من حيث القيمة الأخلاقية، ذلك أن ليس هناك وسيلة إلى الخير أعظم من الفن. •••

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٤٢