تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن رغم أن أصداء الفن وظلاله تثري حياة السهول فإن روحه تسكن أعالي الجبال. إن من يتودد إلى الفن ودا مشوبا فحسب، فإن الفن يرد له صنيعه مضاعفا؛ فالفن كالشمس تدفئ البذرة الصالحة في تربة صالحة وتتيح لها أن تؤتي ثمارا صالحا، ولكن وحده العاشق الكامل من يذخر له الفن هدية عجيبة جديدة - هدية فوق كل ثمن. إن أصحاب الود الممذوق يجلبون إلى الفن ويغنمون منه أفكار عصرهم الخاص وعواطف حضارتهم، فلعل امرءا في أوروبا القرن الثاني عشر قد تأثر غاية التأثر بكنيسة رومانسكية بينا لم يجد شيئا في إحدى لوحات أسرة تانج، ولعل النحت الإغريقي كان يعني الكثير لامرئ من عصر لاحق في حين لا يحرك النحت المكسيكي فيه ساكنا؛ إذ كان بمقدوره أن يجلب للأول حشدا من الأفكار المتداعية لتكون موضوعات لانفعالات مألوفة، أما العاشق الكامل، ذلك الذي يملك الشعور بالدلالة العميقة للشكل، فإنه يربأ فوق عوارض الزمان والمكان. إن مشكلات الأركيولوجيا والتاريخ وسير القديسين هي بالنسبة إليه أمر خارج عن الموضوع، فمتى كان شكل العمل دالا أصبح مصدره غير ذي صلة، إنه محمول أمام جلال تلك الصور السومرية في اللوفر على نفس التيار الانفعالي وإلى نفس النشوة الإستطيقية التي كانت تحمل العاشق الكلداني منذ أربعة آلاف عام خلت. إن آية الفن العظيم أن جاذبيته عالمية خالدة، فالشكل الدال يبقى مشحونا بالقدرة على إثارة انفعال إستطيقي في أيما شخص قادر على الشعور به. إن أفكار البشر لتموت عاجلا كالجراجس

4

وتذهب أدراج الرياح، وإن البشر ليبدلون مؤسساتهم ويغيرون عاداتهم مثلما يغيرون ستراتهم، فما كان يعد نصرا فكريا في عصر يعد حماقة في عصر آخر، وحده الفن العظيم يبقى ثابتا لا يذهب بهاؤه؛ لأن المشاعر التي يوقظها مستقلة عن الزمان والمكان؛ ذلك أن مملكة الفن ليست من هذا العالم، فماذا يهم بالنسبة لأولئك الذين يملكون حسا بدلالة الشكل إن كانت الأشكال التي تحركهم قد أبدعت في باريس أمس الأول أم في بابل منذ خمسين قرنا؟ إن أشكال الفن لا تنضب ولا تستنفد، بل تؤدي جميعا عن الطريق نفسه؛ طريق الانفعال الإستطيقي، إلى العالم نفسه؛ عالم الوجد الإستطيقي. •••

إن «ما بعد الانطباعية» شأنها شأن جميع الثورات الصحيحة، ليست أكثر من عودة وإنابة إلى المبادئ الأولى؛ ففي عالم يتوسم في الرسام أن يكون إما مصورا فوتوغرافيا وإما بهلوانا، ينبري الفنان «بعد الانطباعي» قائلا بأنه فوق كل شيء يجب أن يكون فنانا، «لا يكن همك التمثيل أو التتميم، النقل أو الصقل، فكر في خلق الشكل الدال، فكر في الفن.» هكذا يقول. إن خلق عمل فني هو مهمة جسيمة بحيث لا تترك منصرفا لتصيد شبه أو عرض براعة، وكل تقدمة على مذبح التمثيل هي شيء مسلوب من الفن. إن «ما بعد الانطباعية» ليست بحال ذلك الصنف المتعجرف من الثورة كما يفترض السوقة، بل هي في حقيقة الأمر عودة ومتاب، عودة لا إلى أي تقليد معين في الرسم بل إلى التقليد العظيم للفن البصري. إنها تضع نصب عين كل فنان ذلك المثل الأعلى الذي كان يضعه البدائيون نصب أعينهم، وهو مثل لم يعد يتعلق به منذ القرن الثاني عشر سوى عدد استثنائي من أهل العبقرية، ليست «ما بعد الانطباعية» سوى إعادة توكيد للوصية الأولى من وصايا الفن: «اخلق الشكل»

Thou shalt create form ، وهي بهذا التوكيد إنما تصافح - عبر العصور - البدائيين البيزنطيين وكل حركة حية جاهدت للبقاء منذ بداية الفن. •••

إذن، أن نرى الأشياء كأشكال خالصة هو أن نراها كغايات في ذاتها؛ فرغم أن الأشكال بالطبع مرتبطة بعضها ببعض كأجزاء في كل، فهي مرتبطو على قدم المساواة، إنها ليست وسيلة لأي شيء عدا الانفعال، ولكن ألا نشعر نحو الأشياء التي نراها كغايات في ذاتها بانفعال أعمق وأكثر إثارة من أي انفعال سبق لنا نحوها كوسائل؟ في تصوري أننا جميعا نحظى فعلا من وقت لآخر برؤية للأشياء كأشكال خالصة، إننا نرى الأشياء كغايات في ذاتها؛ أي إننا ننظر إليها - وهو ما يبدو في تلك اللحظات ممكنا بل مرجحا - بعين فنان، من منا لم يظفر، مرة في حياته على أقل تقدير، برؤية مفاجئة لمنظر طبيعي كشكل خالص؟ إنه لم ينظره في هذه المرة الفريدة كحقول وأكواخ، بل أحس به بالأحرى كخطوط وألوان، ألم يظفر من الجمال المادي في تلك اللحظة بهزة لا تفرق عن تلك التي يمنحها الفن؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا يتضح أنه قد ظفر من الجمال المادي بهزة لا يقدر على منحها بصفة عامة سوى الفن، لأنه قد اتخذ سبيلا إلى رؤيتها كتضام شكلي خالص للخطوط والألوان؟ ألا نمضي قدما ونقول إنه إذ رآها كشكل خالص، وبرأها من كل ضروب الاهتمام السببي والعارض ومن كل ما يمكن أن تكون قد اكتسبته من صلاتها ببني البشر، ومن كل دلالة لها كوسيلة، فقد أحس دلالتها كغاية في ذاتها؟

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٣٩