ولا يفوتنا أن ننبه أيضا إلى أن التماس أي منفعة للفن من طريق آخر غير طريق الدلالة الإستطيقية هو إبطال للفن ونفي لماهيته ذاتها؛ فالفن الدعاوي والإرشادي والتزييني ليس فنا، بل تناقضا ذاتيا، شأنه شأن «النقطة الممتدة» أو «المربع المستدير»، والإصرار على توظيف الفن لخدمة أغراض حياتية مباشرة هو خسران لوظيفة الفن الحقيقية التي لا يقدر على الاضطلاع بها أي نشاط آخر، وتحميله في الوقت نفسه دورا تستطيع مرافق أخرى - كالإعلام والفكر والسياسة والجامعة ومراكز البحث - أن تقوم به على نحو أفضل. (5) تصحيح الواقع
الإبداع تمرد بحكم التعريف.
يقول نيتشه «ما من فنان يتحمل الواقع.» أما فان جوخ فقد كتب: «أزداد اقتناعا يوما بعد يوم أن هذا العالم الأرضي هو مخطط دراسي غير ناجح.» وما من فنان حق إلا جعل شغله الأول أن يعيد رسم هذا المخطط الدراسي، وأن يمنحه الأسلوب الذي إليه يفتقر، وما من روائي حق إلا جعل عالمه الروائي تصحيحا دائما لهذا العالم وفق رغبة الإنسان الصميمية، فهو يستخدم الواقع ولكنه يضيف إليه ما يبدله، «ودائما بانحراف طفيف هو علامة الفن والاحتجاج.» على حد قول كامي؛ «فالخلق وعطاء التمرد هما في هذا الانحراف الذي يمثل أسلوب عمل ما ولهجته.» وما من شاعر حق إلا جعل همه الأكبر أن ينفصل عما استنفدته الكلمات واستهلكته، وأن يعلم الألفاظ أن تنسى ماضيها وتقول ما لم تتعود أن تقوله، وتتمرد على سجن النموذج الذهني القديم، وهو إذ يفعل ذلك إنما يخلخل الفكر أيضا ويخلصه ويلهمه، ويجعله حريا بالكشف جديرا بالنور.
كان نيتشه يحلم بمجتمع مستقبلي يوجهه الفنانون، ورغم تهافت هذه الفكرة واستحالة أن يدير شكسبير مجتمع الحذائين على كل حال، فمن الوبال أيضا على مجتمع الحذائين أن يدعي الاستغناء عن شكسبير، فشكسبير بلا إسكاف، يتخذ ذريعة للطغيان، والإسكاف بلا شكسبير، يبتلعه الطغيان، هذا إذا لم يسهم في توسيعه! إن كل إبداع هو بطبيعته رفض لعالم السادة والعبيد، ومجتمع الطغاة والعبيد الفظيع الذي ما يزال جاثما علينا لن يزول ولن يحول إلا عند مستوى الإبداع. (6) خلق الضمير
وللفن تأثير اجتماعي أبعد من كل ما ذكرناه، ولعله أسماها جميعا وأهولها، إنه ... خلق الضمير! «إن الفنان الحقيقي كائن تنتظم علاقته بمجتمعه الخاص في صورة تعارض واختلاف، يصحبه الشعور بالحاجة إلى إنهاء هذا الخلاف وإقناع الآخرين بالحقيقة التي يراها.»
8
والفن الحقيقي جدل مع الثوابت، وتمرد على الوضع القائم لا سدانة له وتزيين. الفن الحقيقي هو إضافة «ذوات» جديدة إلى الوجود، هي الأعمال الفنية. الفن الحقيقي يتحدى القيم القديمة، ويخالف المدونة الأخلاقية السائدة في سبيل أخلاق أسمى وأرفع، أي في سبيل مثل أعلى لم يسد بعد ولكنه حقيق أن يسود، يقول روبرتو متى الرسام التشيلي المعروف في كلمة ألقاها في مؤتمر هافانا إلى مثقفي العالم: «الشعر سلاح خفي، حرب عصابات داخل النفس على الأعراف والمصالح الذاتية المصطنعة، والرياء في النقد الذاتي، حرب على الأفكار الاتفاقية المبتذلة، في سبيل الذكاء المبدع.»
الفن لا يقلد الحياة، الحياة هي التي تقلد الفن وتستلهمه، الفن يخلق أبطالا جددا في الحياة، ولنا أن ندعو الفنانين رواد التطور الإنساني الواعي، «أولم يكن هوميروس بطلا أعظم من هكتور، بله أخيل العديم الشفقة؟ لقد كان بطلا لا ليجزر أبطالا آخرين بل ليخلقهم، ويهبهم الخلود، والأبطال الذين من خلقه يظهرون لنا المدى العجيب لما يستطيع الإنسان أن يستشعره ويفعله، وبهذا يخلقون أبطالا جددا في الحياة. لقد كان هوميروس أستاذ الإسكندر، بقدر ما كان أرسطو؛ فالنماذج التي فرض الإسكندر على نفسه تقليدها والعيش على غرارها كانت هرقل وأبطال هوميروس.»