تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

في قصة جيمس جويس «صورة الفنان في شبابه»، وهي سيرة ذاتية ترجم فيها لنفسه أيام كان شابا يتلقى العلم، يصور جويس الصراع العنيف الذي نشب بين شخصيته وشخصية مجتمعه، بين ما يريده لنفسه وما يريده له النظام القائم، فيتمرد على ثقافة مجتمعه وقيمه، ويلتمس آفاقا أرحب وثقافة لا تحد بلغة أو وطن أو جيل، فيتعلم ما يقرب من عشرين لغة، ويتمثل ثقافات وحضارات بائدة وحية، وينذر نفسه للفن ويضحي في سبيله برضا والديه وإخوته، ويطلق على نفسه اسم ديدالوس اعتزازا بصنعته وفنه، فقد كان ديدالوس في الميثولوجيا اليونانية سيد الحرفيين الصناع ومعلمهم، وهو الذي بنى قصر التيه (اللابرنت) الشهير لملك كريت، وهو قصر لا يعرف من يدخله كيف يخرج منه، وقد بناه للملك ليستعمله عند الخطر، فسجنه الملك فيه هو وابنه إيكاروس، واستطاعا الطيران والهروب (وبقية القصة معروفة، إذ يصعد إيكاروس مقتربا من الشمس في نشوة الطيران والوثوب، ويسقط هالكا على صخرة في البحر، تبكيه من حولها حوريات الماء).

لعل هذا هو تأويل قول جويس في ختام «صورة الفنان»: «مرحبا أيتها الحياة ... ها أنا ذا أخرج للمرة بعد المليون، لأواجه واقع التجربة، ولأصوغ لقومي في مصهر (ورشة الحدادة) روحي ضميرا لم يخلق بعد (ما زال خاما).

الضمير إذن ليس إرثا تسلمناه عن أسلافنا كاملا مكتملا، ليس شيئا جاهزا نمنحه ونؤتمن عليه، ليس الوضع القائم

status quo ، ليس البيئة المدخلة

internalized environment ، ليس الأنا الأعلى

superego ، إنه الشطر الإنساني من العالم، ومهمة خلقه تقع على عاتق الإنسان؛ ذلك المخلوق الخالق الذي كتب عليه أن يوجد خارج واقعه وخارج ماهيته، وأن يصنع مصيره الخاص ويبدع قيمه بنفسه.

الضمير ليس شيئا جاهزا؛ إن الفنان «يخلقه» بأشكاله الدالة، حتى لو لم يكن يفطن لذلك، وكلنا يشارك في خلقه بالتلقي الإستطيقي والإبداع الخاص مهما كان ضئيلا، ونحن إذ نفعل ذلك إنما نشارك في تشكيل عام جديد نفترض أنه يسير في ارتقاء قيمي دائم. (7) قيمة القيم

يقولون ما فائدة نظرية علمية بلا تطبيق عملي، فهي تئود الذهن ولا تريح الكاهن؟ وما فائدة نغمة لا تغمس لقمة ... وكلمة لا تدفع نقمة؟

وأزيدهم: وما فائدة تمسيدة حنان؟ في ميناء الحياة، على جبين مكدود لن أراه مرة ثانية؟

وأقول إن السؤال الصحيح لم يسأل:

ما فائدة عمل طاحوني يبدأ من حيث ينتهي؟

وما فائدة لقمة ما يزال يجادلها الجوع؟

وسلامة هي حسبك من داء دفين، ما دمنا في الحياة زائرين غير مقيمين.

لا فائدة في العمل واللقمة والسلامة، ما لم تنته بنا سلاسلها إلى نهايات من معدن آخر ... نهايات تقوم في ذاتها قيمة.

الحق والجمال والخير ليست سلاسل بل نهايات.

ليست وسائل، بل غايات.

إنها قيم.

إنها ... مطلقات. (8) بعد الوجد «إن من قدر له يوما أن يعرف الوجد ويتبدد في «أوه ألتيتودو»

O Altitudo

واحدة، لن يكون له أن يؤخذ بإثارات العمل الفارغة ويغالي في تقديرها، ومن وهب القدرة على أن يأوي إلى عالم الوجد سيعرف كيف يتعامل مع الوقائع الخارجية بحجمها، جدير ذلك الذي يختلف كل يوم إلى عالم الانفعال الإستطيقي أن يعود إلى عالم الشئون البشرية مسلحا لمواجهتها بشجاعة، وربما بشيء من الازدراء.»

10

وبعد؛ فإن دخول العمل الفني ليس مثل خروجه،

ربما يكون دخولك تزجية للوقت،

أو دفعا للسأم أو محض صدفة،

غير أنك تخرج دائما من الرائعة الفنية بكيمياء مختلفة،

وخطوة مختلفة،

وطريق مختلف.

الفصل العاشر

| الفن: مقاربات نثرية

وإذا ما فقد الإنسان صراط الجمال مرض. لقد كان الغرض الأول من الفن البدائي أن يسعف الإنسان في شفاء مثل هذا المرض، بل إن ميزة الشفاء هذه هي قاعدة الفن كله.

ألكسندر إليوت

عود

منعما بالكفاف مزدانا بالتقشف،

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٣٤