تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبدلا من أن يقولب الطبيعة، كالساحر أو العالم، فإنه يعيد صياغة الطبيعة الإنسانية؛ فهو بالأغاني والصور يرأب الصدع الذي يقع دوما بين الإنسان الواحد وبقية الخلق.

ألكسندر إليوت

للفن آثار اجتماعية هائلة لعلنا ألمحنا إليها جميعا خلال حديثنا عن الجوانب الأخرى للفن؛ فهي منبثة في تضاعيفه منذ البداية؛ فالفن يغير شخصيتنا وتجربتنا في المجالات غير الإستطيقية للحياة، ويجعلنا أكثر حكمة وسموا، ويعمق رؤيتنا لذاوتنا وذوات الآخرين. إن للفن وجها موضوعيا أساسيا وبعدا «بينذاتيا»

intersubjective

يدخل في صميم ماهيته؛ فالفن اقتراب لا اغتراب، ولقاء معقود وموعد مضروب. إن المبدع والمتلقي «متضايفان»

correlatives (كالأستاذ والتلميذ، والزوج والزوجة، والأب والابن ... إلخ) يأخذ كل منهما من الآخر حقيقته ومعناه، بل إن البشر جميعا في اللحظة الإستطيقية يغدون ذوبا من تضايف عام وامتزاج كلي.

إن الفن يطلعنا على دينامياتنا النفسية وديناميات الآخرين، ويعتقنا من «مركزية الذات»

egocentrism

ويؤهلنا للاندماج العاطفي أو «المواجدة»

empathy

أي القدرة على اتخاذ الإطار المرجعي للآخرين بسهولة ويسر، ومشاركتهم وجداناتهم مشاركة حقيقية مبرأة من إسقاطاتنا الخاصة. الفن هو أقدر ضروب النشاط البشري تعبيرا عن التواصل بين الأفراد وبين الأجيال وبين الأمم؛ لأن الوجد الإستطيقي لا يحده الزمان ولا ترده الحدود الجغرافية، إنه انعتاق من كل صنوف المركزية وانطلاق من كل كهوف التعصب والتحزب والتحيز، وأذان للأرواح بأن تنعطف وتأتلف، وتتقاسم رحابة الوجود.

والفن بوظيفته المعرفية التي أشرنا إليها في فصل سابق، يفتح لنا مغاليق العالم الوجداني، فإلى جانب العلم الذي يزيد من تمكننا الفكري والتصوري من العالم، فإن الفن يزيد من تمكننا الإدراكي والانفعالي، فبفضل كتاب من طراز شكسبير وبروست أمكننا أن نفطن إلى دقائق سيكولوجية ما كان لنا أن نراها، وبالتالي نحسها، لولا قدرتهم على اقتناصها والتعبير عنها، وبفضل مصورين من طراز سيزان ومانيه تعلمنا كيف ننظر إلى الأشياء ونلاحظ العالم، وكيف ننتشي بالتحامنا بالوجود والتقائنا بماهية الأشياء، ومهما أمدنا العلم من معرفة عن حقائق العالم الخارجي، سنبقى بحاجة إلى الفن لكي يزودنا بمعرفة عن عالمنا الداخلي وفضاءات أعماقنا السحيقة.

أقترح، بناء على ذلك، أن يكون الفن (والأدب) علاجا لبعض المصابين بالألكسيثيميا

alexithymia ؛ أي عدم قدرة المرء على فهم مشاعره ووصفها ومعالجتها

processing ، وما يصحب ذلك من مصاعب شخصية وبينشخصية؛ مثل فقر الخيال، وضعف الحدس، والمواجدة، والذكاء الانفعالي، والانفصال العاطفي، وضعف التواصل، وفقدان اللذة والإشباع الحياتي، بالإضافة إلى تحول هذه المشاعر المختلطة والمهوشة وغير المتميزة وغير المترجمة؛ تحولها إلى الجسد في صورة اضطرابات نفسجسمية

psychosomatic

وآفات جسدية حقيقية؛ فمن المعروف أن العجز عن تنظيم الانفعالات معرفيا (عدم إدراكها وتمييزها وعرفانها وتصنيفها وبالتالي تنظيمها والتعامل معها) يرفع وتيرة الجهاز العصبي المستقل

autonomic nervous system

والجهاز العصبي الهرموني

neuroendocrinal system

على نحو مستدام، مما يؤدي إلى المرض الجسمي، لكأنما الطوفان المختلط لم يجد له قناة سيكولوجية تتولاه فاقتحم الجسد يدمر ويتلف، أو كأن المشاعر المجهولة لم تجد لها ترجمة سيكولوجية فاضطرت إلى الترجمة الجسدية الموبقة! إلى هذا الحد إذن تبلغ أهمية شكسبير وبروست، وشوبان وموتسارت، وسيزان وجوجان؟! إلى هذا الحد يكون لزوم الفن وضرورته؟! •••

ولا يفوتنا في هذا المقام أن ننبه إلى أن النتائج غير الإستطيقية للفن تترتب تلقائيا على التجربة الإستطيقية الحقيقية، وأنها تأتي طوعا لا كرها، وعلينا ألا نتكلف اكتسابها فنخسرها، وألا نلتفت إليها فنجفل ظبيتها، ونضيعها حرصا وتعملا وإلحاحا. إن شأنها كالإيمان أو كالحب، تجيء ولا تطلب، تأتي ولا يؤتى بها.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٣٢