تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتفق ألكسندر إليوت مع كلايف بل تمام الاتفاق حول لوحة «الطبيب» وأشباهها؛ «فالطبيب الجالس في الظلام قرب فراش الطفل المريض فيه من النبل ما لا يتحمله المرء، وكذلك الصورة كلها، فوراء النبل السكري اللزج الذي في محتواها الظاهر، ينبض قلب من حجر، راض عن نفسه، لكان أليق بهذا الطبيب أن يكون عنكبوتا أسود سمينا يحوك للطفل كفنا! ... هل من أذى في محتوى كامن من هذا القبيل؟ قد يكون الأمر باعثا على بعض المرح، إلا أنه مؤذ؛ لأن تجربة المحتوى الكامن في صورة «الطبيب» دون رفضها، تعني مشاركة المشاهد، عن وعي أو غير وعي، في أمر فارغ سخيف كشريك سخيف راض عن نفسه.»

4 «بيد أن للمحتوى الكامن في الروائع أثرا في النفس كأثر الخير، إن الرائعة تجربة خيرة دائما، ولا حاجة بالمرء إلى إدراك محتواها الكامن في سبيل استمداد خيرها، فخيرها آت مع التجربة نفسها، وإذا استطاع المرء بعد ذلك أن ينظم تفكيره بشأنها، كان ذلك خيرا على خير.»

5

تلك هي الجراحة المنطقية البارعة التي يقوم بها كلايف بل، فيفصل المقولات المشتبكة، ويحدد المصطلحات الملتبسة، ويوضح العلاقات الغامضة، ويضع كل شيء في نصابه، فإذا بالمشكلات القديمة تتبدد، وتحفظات أفلاطون وتولستوي على الفن تأخذ مجراها وحجمها، ومغالطات النزعة الجمالية

aestheticism (التي كان بل أكبر مناوئيها) تتكشف ولا تختلط بالشكلية ولا تتشبه بها، وإذا «الرقابة» ذاتها تعرف مكانها ومضمارها وعملها وتأتي بصيرة كأنما ألقي على وجهها قميص يوسف.

إن الفن هو أقدر الأشياء جميعا على تبرير وجوده الخاص، يقول برول

prall

في كتابه «الحكم الجمالي»

Aesthetic Judgement : «وإذا كان النشاط الإستطيقي هو ذاته مرض على نحو مباشر بدلا من أن يسعى إلى تبرير مستمد من مجال خارج عنه، فإن له هذا المركز الفريد الذي لا يحتاج فيه لشيء غيره، وهو في واقع الأمر النمط النموذجي للشيء الوحيد الذي يمكن أن يبرر أي شيء آخر.»

6

يقول وولتر باتر

Walter Pater

في خاتمة كتابه «عصر النهضة»

Renaissance : «إن الغاية ليست هي ثمرة التجربة، بل الغاية هي التجربة ذاتها ... والفلاح في الحياة إنما هو أن يحترق المرء دائما بهذا اللهيب الحاد، الذي هو أشبه بالجوهرة النفيسة، ويبقي على هذه النشوة ... وفي الوقت الذي يذوب فيه كل شيء تحت أقدامنا، فإننا نستطيع أن نمسك بزمام أي انفعال رائع ... يبدو أنه يحرر الروح لحظة واحدة ويرفع آفاقها، أو نتمسك بأية إثارة للحواس. إن فرصتنا الوحيدة تكمن في الحصول على أكبر قدر ممكن من النبضات في وقت واحد، وأبدع مصدر لهذه التجربة هو حب الفن لذاته ... إذ إن الفن يأتي إليك وقد اعترف صراحة بأنه لا يزمع إعطاءك إلا أرفع مستوى للحظاتك وهي تمر؛ وذلك من أجل هذه اللحظات فحسب.»

7 (3) فائدة الفن

ما فائدة الفن؟

وهل يبقى بعد كل ذلك مكان لمثل هذا السؤال؟ ... ربما.

كثيرا ما يماري الأشخاص «العمليون» من الناس في قيمة الفن وفائدته، وكذلك يفعل الأشخاص «غير المستنيرين»

philistine

ممن لم تتكون لديهم ذائقة فنية تفتح لهم عالم التجربة الإستطيقية، يسأل هؤلاء: ما نفع هذا العبث وما هو مردوده وجدواه في الحياة العملية الواقعية؟ ويظنون لعماهم الإستطيقي أن سؤالهم مسكت مفحم لكل متحمس للفن إنتاجا أو تلقيا، وربما كان الأبلغ أن نجيب على سؤالهم بسؤال مثله: ما جدوى الجهد البشري العملي المكرور إذا كانت كل أفعال الحياة اليومية هي وسائل لغايات هي بدورها وسائل أخرى لغايات أبعد يقف الموت من ورائها جميعا ساخرا مقهقها؟! الحق أن كل جهد بشري «عملي» هو من هذا المنظور الأعرض عبث لا جدوى منه ما لم يؤد في نقطة معينة إلى تجربة تكون طريفة ممتعة «في ذاتها»؛ ومن ثم فإذا سأل سائل «ما قيمة التجربة الجمالية؟» لكان الجواب في حقيقة الأمر أوضح وأيسر مما لو وجه السؤال نفسه بخصوص أي نوع آخر من التجربة؛ فقيمة التجربة الجمالية ملموسة في التجربة ذاتها لكل من تعهد ذائقته الجمالية بالتنمية والصقل، إنها فيض هائل من القيمة وضروب عديدة من الجدوى، ليس أقلها أنها طرافة خالصة مكتفية بذاتها، ومتعة عالية ممتدة لا تشوبها أكدار ولا أوزار، ولا تعقب وراءها ألما ولا ندما. (4) الفن والمجتمع

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٣١