تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ipso facto

حالة نفسية أو ذهنية خيرة؛ ومن ثم فإن كل ما هو «إستطيقي» هو خير أو وسيلة إلى الخير.

يعرف ذلك معظم الناس ويأتونه بالسليقة، فحتى أكثر الناس تعففا وترفعا عن الهذر واللغو لا يجدون في أنفسهم غضاضة ولا يستشعرون ذنبا في تلقي النكات الجريئة في السياق الحياتي المناسب؛ فالضحك البريء «خير» وجلاء لصدى القلوب، والنكتة البارعة بمثابة عمل فني ينطوي على حبكة متقنة ودلالة شكلية وأداء فني، فهي في ذاتها خير، ولا تصير شرا إلا إذا أريد بها غير ذلك، وغني عن القول أن النكتة السخيفة أو البذاءة المجانية ليست فنا ولا تؤدي إلى انفعال فني، وهي إذن شر لا شك فيه، وعمل لا أخلاقي دون جدال.

وفي تراثنا العربي إشارات كثيرة تدل على أن المتأدبين من السلف قد فطنوا إلى هذه الفروق الدقيقة، من ذلك ما ورد في كتاب «المختار من شعر بشار للخالديين». «... فمن تلك الأخبار ما روي عن أبي الهيثم خالد بن يزيد أنه قال: لما بويع لإبراهيم بن المهدي بالخلافة طلبني وكان يعرفني، فأدخلت عليه فلما مثلت بين يديه وسلمت عليه أجلسني وقال: يا خالد أنشدني، فقلت: يا أمير المؤمنين ليس شعري مما قال فيه رسول الله «إن من الشعر لحكما.» وإنما أعبث وأمزح به، فقال: يا خالد لا تقل هكذا فالعلم جد كله. وروي عنه أيضا أنه قال له: جد الأدب جد وهزله جد. وقال الأصمعي يوما في مجلسه: لا تحقرن شيئا قيل في جد أو هزل فربما نيل بهزل العلم ما لم ينل بجده ... وروي أن بعض التابعين سئل عن إنشاد الرفث في الشعر وقيل له إن قوما يقولون إنه لمما ينقض الوضوء ويفسد الصلاة، فنهض قائما وتوجه إلى القبلة ثم أنشد (شعرا على الرجز بذيئا ولكن جيدا) وأتبعه: الله أكبر، فصلى صلاة ثم استقبل السائلين، فناب لهم ما رأوا من فعله عن استدعاء المجاوبة عما سألوا عنه بقوله.»

2

وبعد؛ فقد أوردت ما أوردت من حديث الهذر والمجون لأنه مثال صارخ يبين لنا أن كل ذي حساسية فنية من الناس يعي في دخيلته تلك العلاقة الدقيقة بين مقولتي «الإستطيقي» و«الأخلاقي»، ويبطن في نفسه كلا من المفارقة وحلها، وتأويل ذلك أنه يعرف «الوجد الإستطيقي» (النشوة الإستطيقية)

aesthetic ecstasy

ويعرف بالبداهة أنه خير.

وقد نوه بل إلى هذه المسألة منذ البداية، ومنذ البداية هدته دقته المنطقية إلى أن يفصل فصلا قاطعا بين الفن واللافن؛ فالعمل الذي ينطوي على شكل دال هو عمل فني وهو خير بطبيعته أيا كان موضوعه؛ إذ هو يؤدي إلى حالة ذهنية خيرة هي الانفعال الإستطيقي، ويفلت بفضل ذلك من طائلة الناقد الأخلاقي، أما العمل الذي لا يحوز على شكل دال ولا يؤدي إلى انفعال إستطيقي بل يثير انفعالات الحياة، فهو ليس عملا فنيا، إنه «عمل» كأي عمل، وهو خاضع بالتالي للحكم الأخلاقي، ولا يشفع له موضوعه ولا مقصده، وربما اعتبر شرا حتى لو كان يتحدث عن موعظة الجبل؛ لأنه يثير انفعالا رديئا ورضا ذاتيا زائفا، يقول كلايف بل في فقرة صارت مأثورة: «إن الفن فوق الأخلاق، أو بالأحرى كل فن هو أخلاقي؛ ذلك أن الأعمال الفنية كما أود أن أبين هي وسائل مباشرة إلى الخير، فما إن نحكم على شيء بأنه عمل فني حتى نكون قد حكمنا بأنه ذو أهمية قصوى أخلاقيا وجعلناه دون منال الداعية الأخلاقي، غير أن الأعمال الوصفية التي ليست أعمالا فنية، وبالتالي ليست بالضرورة سبلا إلى حالات ذهنية خيرة، هي جديرة أن تقع تحت طائلة الفيلسوف الأخلاقي، وما دامت لوحة «الطبيب» ليست عملا فنيا، فهي تفتقر إلى القيمة الأخلاقية الهائلة التي تتحلى بها جميع الموضوعات التي تبعث النشوة الإستطيقية، وإن الحالة الذهنية التي تفضي إليها بوصفها صورة إيضاحية تبدو لي غير مرغوب فيها.»

3

إن لوحة «الطبيب» للسير لوك فيلدز ليست، في رأي كلايف بل، عملا فنيا؛ ذلك أن الشكل فيها لا يستخدم كموضوع للانفعال بل كوسيلة لاقتراح انفعالات والإيعاز بعواطف، وهذا يكفي وحده لجعلها تافهة، بل إنها أكثر من تافهة لأن العاطفة التي توعز بها هي عاطفة كاذبة. إن ما توعز به ليس الشفقة والإعجاب بل إحساس بالرضا الذاتي عن شفقتنا نحن وكرمنا، إنها ابتذال أو إسفاف عاطفي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٣٠